Skip to content

بمناسبة أسبوع الوحدة المسيحية: هل يمكن تعديل حساب عيد القيامة بهدف توحيد الاعياد؟

رابط المقال: https://milhilard.org/y9dv
عدد القراءات: 496
مجمع فنيقية اقر بضرورة توحيد الاعياد

مجمع فنيقية اقر بضرورة توحيد الاعياد

رابط المقال: https://milhilard.org/y9dv

بقلم الفرد عصفور*

في الأجيال الأولى للمسيحية كان المسيحيون يحيون ذكرى القيامة مع فصح اليهود ومنذ القرن الميلادي الثاني أخذ المسيحيون يحتفلون بالفصح في يوم الأحد من شهر نيسان القمري اعتمادا على التقويم العبري. وكانت كنائس المشرق في سوريا والعراق قد اعتادت أن تحتفل بالفصح في الرابع عشر من نيسان العبري سواء كان يوم أحد او غير ذلك بينما كانت الكنائس الأخرى تحتفل بالعيد في يوم أحد حصرا.

في مجمع نيقية الأول عام 325 للميلاد جرى تحديد معادلة جديدة للاحتفال بعيد الفصح تم فيها مراعاة أن يكون العيد متوافقا مع بدر الربيع وتاليا احتفال اليهود بعيد الفصح لأن حدث القيامة وفق التقليد الإنجيلي وقع بعد الفصح اليهودي.  وقد قبلت كل الكنائس في ذلك الوقت بتلك المعادلة التي جعلت الاحتفال بعيد الفصح في يوم الأحد الواقع بعد تمام البدر الذي يلي الاعتدال الربيعي في الحادي والعشرين من آذار من كل عام.

أشار قسطنطين بضرورة أن يتم الاحتفال بأكثر الأعياد المسيحية قداسة في نفس اليوم عند جميع الكنائس

 معروف أن مجمع نيقية انعقد بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الكبير الذي كان له تأثير مهم في إقناع الأساقفة المشاركين في المجمع للوصول إلى تلك المعادلة. وقد شدد قسطنطين في خطاب افتتاح المجمع على ضرورة الابتعاد عن احتفالات اليهود وأشار بضرورة أن يتم الاحتفال بأكثر الأعياد المسيحية قداسة في نفس اليوم عند جميع الكنائس سواء في الشرق أو الغرب.

كان قسطنطين يسعى إلى دعم وحدة الكنيسة (وهذا لا يزال هدفا نبيلا حتى اليوم) فقال أنه يتألم إذ يرى انقساما وخصاما داخل الكنيسة مضيفا: “لنفكر كم هو غير لائق أنه في نفس اليوم الذي يجلس فيه البعض حول وليمة العيد يجب أن يبقى آخرون ملتزمون بصوم قاسي، فلا ينبغي أن يكون هناك أي تقسيم إذ لم يترك لنا مخلصنا سوى يوم احتفالي واحد لفدائنا أي آلامه المقدسة وأراد كنيسة جامعة واحدة”.

لا ينبغي أن يكون هناك أي تقسيم إذ لم يترك لنا مخلصنا سوى يوم احتفالي واحد لفدائنا

كانت  هيبة قسطنطين عاملا مهما في عقد المجمع ووصوله إلى قرارات حاسمة ومتفق عليها. واعتمدت معادلة الاحتفال بالفصح ليكون في الأحد الأول بعد بدر الربيع الذي كان يأتي بعد فصح اليهود وبذلك تم تنفيذ وصية قسطنطين بالابتعاد عن فصح اليهود. سارت كنائس الشرق والغرب بموجب هذه المعادلة لأكثر من ألف ومئتي سنة إلى أن تم اكتشاف الأخطاء الفلكية في حساب الأيام والسنين في التقويم اليولياني الذي صححه البابا غريغوري الثالث عشر في العام 1582.

ومع أن الاحتفال بعيد الفصح بقي في الأحد الأول بعد بدر الربيع وسارت عليه الكنائس إلا أنه اصبح يأتي أحيانا أما متزامنا مع فصح اليهود أو قبله في بعض المرات. وهذا أمر لم ترضى عنه الكنائس الأرثودوكسية التي بقيت ملتزمة بالتقويم اليولياني وهو ما أوقع الفروق بين مواعيد الكنيستين الشرقية والغربية عند الاحتفال بالفصح.

احتفال الكنيسة الغربية بعيد الفصح ظل قائما بناء على جزء من معادلة نيقية وهو أن يكون العيد في الأحد الأول الذي يلي البدر الذي يقع بعد الاعتدال الربيعي (بحسب التقويم الغريغوري) متجاوزين ضرورة أن يقع العيد بعد فصح اليهود.

التقيت سيادة المطران جمال دعيبس النائب البطريركي للاتين في الأردن وسألته عن ارتباط الفصح المسيحي بالفصح اليهودي فأجاب أن “الارتباط بالفصح اليهودي بأي شكل من الأشكال ليس أمرا ضروريا ومجمع نيقية لم يربط الفصح المسيحي بالفصح اليهودي بل ربطه ببدر الربيع إذ قرر المجمع أن لا يرتبط الاحتفال بالفصح بأي شكل من الأشكال بأعياد اليهود ومع أن الفصح المسيحي يأتي أحيانا قبل فصح اليهود فليس في الأمر أي ضير لأن الفصح احتفال مرتبط بالعهد الجديد الذي تمم كل العهد القديم”. وشدد المطران دعيبس من جديد على أن الكنيسة غير ملزمة بالارتباط بأعياد اليهود سواء قبلها أو بعدها.

ظل استخدام التقويم اليولياني من قبل الكنيسة الشرقية يؤدي إلى وقوع العيد بعد احتفال الكنيسة الغربية به أحيانا بفارق أسبوع وأحيانا بفارق خمسة أسابيع وفي مرات قليلة متزامنا معه. في هذا العام (2024) ستحتفل الكنيسة الغربية بعيد الفصح في الحادي والثلاثين من شهر آذار بينما تحتفل به الكنيسة الشرقية بعد ذلك بخمسة أسابيع أي في الخامس من أيار وهذا الفارق الطويل يسبب حرجا كبيرا للمسيحيين وبصورة خاصة للمسيحيين المشرقيين. وسيتكرر هذا الفارق في السنوات 2032 و 2040 لكن في العام 2025 سيكون العيدان الكاثوليكي والارثودوكسي معا في يوم أحد واحد.

تحديد مواعيد الأعياد ليس جزءً من العقيدة بل هو ترتيب بشري قابل للنقد والتعديل والتبديل والتغيير

ومع أن محاولات عديدة جرت لتوحيد موعد الأعياد بين الكنيستين الغربية والشرقية إلا أن الاتفاق كان صعبا. كان هناك اقتراح لوضع معادلة جديدة للاحتفال بالفصح تتلخص كما يقول المطران دعيبس بأن يتم الاحتفال بالفصح “في الأحد الذي يلي ثاني سبت من شهر نيسان، وهذا عمليا يعني الأحد الثاني من نيسان وهو يأتي بعد الاعتدال الربيعي بغض النظر عن عيد اليهود“. وقال المطران دعيبس “إن الجواب الإيجابي الوحيد الذي جاء على هذا الاقتراح كان من الكنيسة القبطية بينما لم تعطي بعض الكنائس الشرقية الأخرى أي جواب في الوقت الذي كانت فيه بعض الكنائس تميل لقبول الفكرة وبعض الكنائس رفضتها تماما”.

إذا اتفقت الكنائس على معادلة جديدة للاحتفال بالفصح سواء كان في الأحد الثاني من نيسان أو في الأحد الأول بعد فصح اليهود متجاوزين مسألة بدر الربيع فهذا يشكل خطوة مهمة وإيجابية وحلا عمليا ولا بد أن يقابلها اتفاق الجميع للاحتفال بعيد الميلاد وفق التقويم الغريغوري أي في الخامس والعشرين من كانون أول ديسمبر.

الكنيسة بحاجة إلى مجمع مسكوني جديد على غرار مجمع نيقية يشارك فيه قادة الكنائس الشرقية والغربية

لأن تحديد مواعيد الأعياد ليس جزءً من العقيدة بل هو ترتيب بشري قابل للنقد والتعديل والتبديل والتغيير يرى المطران دعيبس أن الكنيسة الكاثوليكية منفتحة على أي اقتراح ومنفتحة على كل الخيارات لكي نتفق مع بعضنا البعض، لكنه شدد على أن أي تقارب “يتطلب محبة مسيحية حقيقية لكي ينظر المسيحي إلى أخيه المسيحي على أنه أخ في المسيح وعلى كل طرف أن يتفهم وجهة نظر الطرف الآخر وعندما تسود المحبة المسيحية الحقيقية على مختلف المستويات بين الناس المعنيين عندها يمكن إيجاد الحلول. ويؤكد المطران دعيبس أنه إذا تم تحضير الأجواء المناسبة فعند ذلك يصبح  هناك أمل بالتوافق“.

في العام القادم تحل الذكرى الألف وسبعمئة سنة على انعقاد مجمع نيقية الأول وهو أول مجمع مسكوني كان لقراراته آثار عميقة وجذرية على العقيدة وعلى الكنيسة وعلى المؤمنين. والكنيسة اليوم قد تكون بحاجة إلى مجمع مسكوني جديد على غرار مجمع نيقية يشارك فيه قادة الكنائس الشرقية والغربية على اختلاف مذاهبها.

إذا ما اجتمعت النوايا الطيبة والإرادة الصالحة يمكن الوصول إلى نتائج تخدم العقيدة وتخدم الكنيسة وتخدم المؤمنين. فالأسباب التي أوجدت هذا الاختلاف في التقويم، ليست أساسية، والاحتفال بعيد الفصح في تاريخ واحد يكفل خير المسيحيين عامة ويدعم الكيان المسيحي ويصون وحدته.

  • الكاتب صحفي أردني

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

Skip to content