
السابق عيدُ القيامةِ بدونِ فرحٍ في القدسِ وغزّةَ ولبنان، من نشرةِ ملح الأرض رقم 225

د. رلى السماعين
يُعدّ عيد القيامة المجيدة من أبرز وأقدس المناسبات في المسيحية، إذ يتجاوز كونه مجرد إحياء لذكرى حدث تاريخي، ليجسّد جوهر الإيمان ذاته والأساس الذي يقوم عليه الرجاء المسيحي.
في قيامة ربّنا يسوع المسيح من بين الأموات، بعد ثلاثة أيام من صلبه، تنكشف حقيقة عظمى تعيد تعريف معنى الحياة والموت معًا؛ فهي إعلان إلهي بأن الحياة مع المسيح أقوى من الموت، وأن النور قادر دائمًا على اختراق أشدّ الظلمات كثافة.
ولا يمكن فهم هذا الحدث الخلاصي في إطاره التاريخي فحسب، بل ينبغي إدراكه في أبعاده الوجودية والروحية؛ فهو تأكيد لوعد الحياة الأبدية، وتحرير للإنسان من عبودية الخطيئة، وفتحٌ لأفقٍ متجدّد من الرجاء. في القيامة، لم يعد الموت نهاية، بل عبورًا؛ ولم يعد الألم بلا معنى، بل طريقًا نحو التجدد.
وتتجلى هذه الحقائق في رموز راسخة في التقليد المسيحي، يحمل كلّ منها دلالات لاهوتية وإنسانية عميقة. فالصليب، الذي كان أداة ألم وإذلال، يتحوّل إلى رمز للفداء والمحبة الإلهية. والقبر الفارغ يعلن انتصار الحياة على الموت وتحقيق وعد الله. أما النور والشموع فليسا مجرد طقوس، بل تعبير عن الانتقال من الظلمة إلى النور، في إشارة إلى يسوع المسيح بوصفه “نور العالم”. كما تحمل البيضة رمزية عميقة، إذ تمثل القبر المختوم، وانكسارها يرمز إلى انبثاق الحياة الجديدة، وكأنها تعلن بصمت أن من الموت تنبثق الحياة، ومن الألم يولد الرجاء.
ومع ذلك، فإن القيامة في جوهرها تتجاوز كل الرموز؛ فهي ليست مجرد استعارة لغفران الخطايا، بل فعل خلاص حقيقي ومتجدّد في حياة كل مؤمن. وكما يعلن الكتاب المقدس: «بدون سفك دم لا تحصل مغفرة»، فإن الصليب لم يكن حدثًا عابرًا، بل ضرورة إلهية تحققت فيها العدالة والرحمة معًا.
الخلاص مُتاح لكل من يقبله، ولذلك فإن القيامة ليست ذكرى بعيدة، بل دعوة للإنسان ليدرك عمق هذا الفداء، وأن يعيش بتواضع حياة متجددة تسعى إلى النقاء في عالم يزداد قسوة.
ومن هنا يتجلّى البعد الفلسفي العميق للإيمان المسيحي: فالحقيقة لا تُنقل كفكرة مجردة، بل كخبرة حيّة تُتوارث عبر الأجيال. وكما كتب القديس بولس: «سلّمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضًا»، مؤكدًا أن إيماننا قائم على شهادة حيّة ذات بعد تاريخي وروحي، تشهد أن الرب مات «حسب الكتب»، ودُفن، وقام في اليوم الثالث، وظهر لشهود كثيرين.
وهذه الشهادة ليست لاهوتية فحسب، بل تحمل ثقلًا تاريخيًا يعزّز يقين المؤمن، ويقدّم حقيقة لا يمكن اختزالها في رمزية مجردة.
إن إحياء ذكرى القيامة هو دعوة لتجديد ذواتنا الداخلية، والاعتراف بأن الخطيئة الكامنة في قلب الإنسان، أو ما يمكن وصفه بلغة الحياة اليومية بقوى روحية مظلمة،لا يمكن التغلب عليها بالجهد البشري وحده، بل برحمة الله العظيمة وفعل خلاصه من خلال الصليب والقيامة.
فيسوع المسيح هو الكلمة الذي به كان كل شيء؛ هو الذي أوحى إلى الأنبياء وظهر لهم، وثبّتهم وبرّرهم بالإيمان. منذ البدء، أنجز كل شيء، وهو الذي أبطل شوكة الموت وغلب الشر بسلطانه، لذلك لم يعد للموت سلطان على المؤمن.
لكن، إذا كانت القيامة قد كسرت شوكة الموت، فلماذا لا تزال الحروب والصراعات والمعاناة قائمة؟ هنا يكمن التحدي الإنساني الجوهري، إذ تبقى الخطيئة متجذّرة في النفس البشرية، وغالبًا ما يختار الإنسان الابتعاد عن النعمة الممنوحة له مجانًا- الخلاص. فالعالم، في حالته الأرضية، ما يزال خاضعًا لأهوائه وصراعاته، بينما يغفل كثيرون عن الحقيقة الأساسية: «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟».
إن استمرار المعاناة لا ينفي القيامة، بل يؤكد حاجتنا الدائمة إليها. فالإنسان مدعو في كل زمان للعودة إلى الله والاقتراب منه، كما يحثّ الكتاب: «اقتربوا إلى الله فيقترب إليكم». وهذا الاقتراب لا يتحقق بالكلام وحده، بل بالالتصاق بالكلمة، وبحياة التوبة، وبقلب متواضع ومنسحق يعترف بضعفه ويطلب النعمة الإلهية.
في النهاية، تبقى القيامة رسالة حياة من خلال موت المسيح، ورجاء بالخلاص من خلال قيامته. إنها إعلان دائم بأن الله عادل، وأن محبته تجلّت بأسمى صورها على الصليب، حقيقة شهد لها التاريخ، واعتنقها المؤمنون، وتتجدد باستمرار عبر عمل النعمة.
إنها دعوة مفتوحة لكل إنسان، لا للإيمان فحسب، بل ليحيا هذا الإيمان.
المسيح قام… حقًا قام
*كاتبة متخصصة في الحوارات بين الأديان والسلم المجتمعي


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!