Skip to content

مايك هاكابي يعرقلُ عملَ الكنائسِ وشهادتِها في الأراضي المقدسةِ بهدفِ إسكاتِ المسيحيينَ الفلسطينيين

تاريخ النشر: فبراير 14, 2026 4:36 م
مشاركة السفير مايك هاكابي في مراسم إحياء ذكرى شهداء وأبطال المحرقة ٢٠٢٥، ٢٤ أبريل ٢٠٢٥ (صورة: سفارة الولايات المتحدة في القدس)

مشاركة السفير مايك هاكابي في مراسم إحياء ذكرى شهداء وأبطال المحرقة ٢٠٢٥، ٢٤ أبريل ٢٠٢٥ (صورة: سفارة الولايات المتحدة في القدس)

بقلم رفعت قسيس، ٢٧ يناير ٢٠٢٦

مترجم عن موقع mondoweiss

في الأسبوعِ الماضي، أصدر بطاركة ورؤساءُ الكنائسِ في القدس، قادة الكنائس التاريخية في الأرضِ المقدّسة، بيانًا تاريخيًا يُعربون فيه بوضوحٍ عن رفضِهم للصهيونيةِ المسيحيّة. كان البيانُ لافتًا للنظرِ ليسِ فقط لوضوحهِ، بل أيضًا لتوقيتِ إصدارهِ وردة الفعل التي أثارها من السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، وهو صهيوني مسيحي بارز. تُسلط هذه الحادثة الضوء على تهديد متنامٍ لعمل الكنيسة الفلسطينية وشهادتها، فضلًا عن الخطوات التي يتخذها الصهاينة المسيحيون لطمس صوتنا السياسي.

جاء في بيان البطاركة، جزئيًا:

يؤكد البطاركة ورؤساء الكنائس في الأرض المقدسة أمام المؤمنين والعالم أجمع أن رعية المسيح في هذه الأرض مُوكلة إلى الكنائس الرسولية، التي حملت رسالتها المقدسة على مر القرون بتفانٍ راسخ. إن الأنشطة الأخيرة التي قام بها أفراد محليون يروجون لأيديولوجيات ضارة، كالصهيونية المسيحية، تُضلل الرأي العام، وتزرع البلبلة، وتضر بوحدة رعيتنا. وقد لاقت هذه المساعي استحسان بعض الفاعلين السياسيين في إسرائيل وخارجها، الذين يسعون إلى فرض أجندة سياسية قد تُلحق الضرر بالوجود المسيحي في الأرض المقدسة ومنطقة الشرق الأوسط عمومًا.

ماذا يعني هذا؟

يأتي هذا البيانُ ردًّا على التّطوّراتِ المُقلقةِ الجاريةِ في فلسطين، والتي تُهدِّدُ سلامةَ ووحدةَ وسلطةَ الكنائسِ المسيحيّةِ في الأرضِ المُقدَّسة. ويبدو أنّ ما أثار حفيظةَ البطاركةِ هو نمطٌ مُتزايد: التّرويجُ لأفرادٍ أو جماعاتٍ محلّيّةٍ نصَّبت نفسَها بنفسِها، وتحظى بالتّرحيبِ على المستوياتِ السّياسيّةِ الرّسميّة، وتدَّعي تمثيلَ المسيحيّين في إسرائيل أو الأرضِ المُقدَّسة، بينما تُروِّجُ في الوقتِ نفسِه للاهوتِ الصّهيونيِّ المسيحيّ. وقد حدثت مثلُ هذه المبادراتِ في الماضي دون أن يُلاحظها أحد. ولكن في الآونةِ الأخيرة، شملت هذه الاجتماعاتُ مسؤولين أمريكيّين وإسرائيليّين رفيعي المستوى، بمن فيهم السّفير هاكابي، وتُشكِّلُ تهديدًا مباشرًا مُتزايدًا للسّلطةِ التّاريخيّةِ لرؤساءِ الكنائسِ وسلامةِ العقيدةِ المسيحيّة. فهي تُقوِّضُ الهياكلَ الكنسيّةَ العريقة (المعروفة بالوضعِ الرّاهن) التي حافظت على وحدةِ المُجتمعاتِ المسيحيّةِ في فلسطين عبر تاريخٍ من الإمبراطوريّةِ والاستعمارِ والاحتلال.

لهذا السّبب شعر السّفيرُ هاكابي بضرورةِ التّعليقِ علنًا على بيانِ البطاركة. كتب في جزءٍ من رسالتِه: «يصعبُ عليَّ فهمُ لماذا لا يكونُ كلُّ من يُطلقُ على نفسِه لقبَ “مسيحيّ” صهيونيًّا أيضًا». إنّ الأهميّةَ التي يُوليها لهذا البيان تُشيرُ إلى خطورةِ قضايا التّمثيلِ والسّلطةِ بالنّسبةِ للمسيحيّين في الأرضِ المُقدَّسة، وإلى مدى التّدخّلِ السّياسيِّ الذي تُبديه إسرائيلُ وحلفاؤُها لتقويضِ الأصواتِ المسيحيّةِ المُناهضةِ للصّهيونيّة.

من الجديرِ بالتّساؤلِ عن سببِ تدخّلِ ممثّلِ الولاياتِ المُتّحدةِ في شأنٍ داخليٍّ يخصُّ كنائسَ القدس. ففي نهايةِ المطاف، بيانُ البطاركةِ ليس بيانًا سياسيًّا، بل هو تأكيدٌ رعويٌّ من أولئك الذين يُمثِّلون المُجتمعاتِ المسيحيّةِ في الأرضِ المُقدَّسة تمثيلًا شرعيًّا. لذا، فإنّ ردَّ هاكابي يكشفُ عن الحساسيّاتِ السّياسيّةِ التي كشف عنها البيان أكثر ممّا يكشفُ عن البيانِ نفسِه. ويُؤكِّدُ ردُّ فعلِه على وجهِ التّحديدِ على القلقِ الذي أثاره البطاركة: إذ يسعى بعضُ الفاعلين السّياسيّين في إسرائيل وخارجِها إلى إيجادِ أصواتٍ مسيحيّةٍ بديلةٍ تتوافقُ بشكلٍ أكبر مع أجنداتِهم الأيديولوجيّةِ والجيوسياسيّة.

لا يُمكنُ فصلُ تدخّلِ هاكابي عن السّياقِ السّياسيِّ الأوسع. شهدنا في السّنواتِ الأخيرة جهودًا مُمنهجةً من جانبِ إسرائيل وحلفائِها، ولا سيّما الولاياتُ المُتّحدة، لنزعِ الشّرعيّةِ عن التّمثيلِ الفلسطينيِّ الرّسميّ. بدأت هذه العمليّةُ بإضعافِ السّلطةِ الفلسطينيّة، وتجريمِ مقاومتِنا وأحزابِنا السّياسيّة، واستمرّت بتصنيفِ منظّماتٍ غيرِ حكوميّةٍ فلسطينيّةٍ مرموقةٍ على أنّها «منظّماتٌ إرهابيّة».

يبدو الآن أنّ هذا التّدخّلَ والقمعَ يمتدّ إلى المجالِ المسيحيّ. إنّ إنشاءَ أو تمكينَ جماعةٍ صهيونيّةٍ مسيحيّةٍ فلسطينيّةٍ محلّيّةٍ يُوفِّرُ بديلًا مُلائمًا – سرديّةً مُجدية – تسمحُ للسّلطاتِ السّياسيّةِ بتجاوزِ قادةِ الكنيسة، وإسكاتِ الشّهادةِ المسيحيّةِ الفلسطينيّةِ النّبويّة (كايروس فلسطين، سبيل، كليّة بيت لحم للكتاب المُقدَّس، وغيرها)، والتّشكيكِ في شرعيّةِ المؤسّساتِ الفلسطينيّةِ العريقة.

ويُعدُّ هذا الأمرُ مُقلقًا للغاية، لا سيّما في وقتٍ كان فيه المسيحيّون الفلسطينيّون، إلى جانبِ المسلمين، من بين أكثرِ الأصواتِ ثباتًا وأخلاقيّةً في مواجهةِ الإبادةِ الجماعيّةِ والتهجيرِ الجماعيِّ والانتهاكاتِ الجسيمةِ للقانونِ الدّوليِّ في غزّة وخارجِها. لقد كشفت جهودُنا في مجالِ المُناصرةِ ليس فقط عن السّياساتِ الإسرائيليّة، بل أيضًا عن التّواطؤِ المُباشرِ للولاياتِ المُتّحدة. في هذا السّياق، فإنّ ظهورَ صوتٍ «مسيحيّ» مدعومٍ سياسيًّا يُباركُ الاحتلالَ وعنفَه ليس من قبيلِ الصّدفة، بل يخدمُ غرضًا استراتيجيًّا واضحًا.

وللغةِ البطاركةِ في بيانِهم دلالةٌ بالغة. يعكسُ نقدُهم للصّهيونيّةِ المسيحيّةِ وتأكيدُهم على الوحدةِ والتّمثيلِ والمسؤوليّةِ الرّعويّة، بوضوحٍ لاهوتيّ، حركةَ كايروس فلسطين، لا سيّما في وثيقتِها الصّادرةِ مُؤخّرًا، كايروس 2، لحظة الحقيقة: الإيمان في زمنِ الإبادةِ الجماعيّة. تُسمّي كايروس 2 الصّهيونيّةَ صراحةً كأيديولوجيّةٍ سياسيّةٍ مُتجذّرةٍ في الظّلم، وتدعو المسيحيّين في جميعِ أنحاءِ العالم إلى رفضِ التّشوّهاتِ اللاهوتيّةِ التي تتسامحُ مع القمع.

لسنواتٍ، سعت حركةُ كايروس إلى توطيدِ علاقاتِها مع القياداتِ الكنسيّة، حتّى وإن كان ذلك من هامشِها. في هذا البيان، لا يبدو أنّ رؤساءَ الكنائس يدافعون فقط عن الأهميّةِ التّاريخيّةِ لمنصبِهم، بل يُقدِّمون أيضًا استجابةً عمليّةً وإيجابيّةً لدعوةِ كايروس، مُؤكِّدين على ما هو على المحكِّ في نهايةِ المطاف: مستقبلُ الوجودِ المسيحيِّ في فلسطين. يُشيرُ بيانُهم إلى أنّ رعاةَ الكنائسِ في القدس يُدركون بشكلٍ مُتزايدٍ استحالةَ الحيادِ في مواجهةِ اللاهوتِ السّياسيّ، وأنّ الحفاظَ على الوحدةِ المسيحيّةِ اليوم يتطلّبُ فضحَ اللاهوتِ الزّائفِ ومقاومةَ التّلاعبِ السّياسيّ. إنّ البطاركةَ لا يحمون سلطتَهم المؤسّسيّة فحسب، بل يُدافعون عن نزاهةِ الشّهادةِ المسيحيّةِ في أرضِ المسيح.

وبهذا المعنى، يُؤكِّدُ تدخّلُ هاكابي على إلحاحِ رسالةِ البطاركة. لم يعُد الصّراعُ مُقتصرًا على الأرضِ أو السّياسةِ فحسب، بل أصبح أيضًا يدورُ حول مَن يُمثِّلُ المجتمعَ المسيحيّ، ومَن يُشكِّلُ لاهوتَه – أو يُساهمُ في تشكيلِه – الفهمَ المسيحيَّ العالميّ، وما إذا كانت كنائسُ الأرضِ المُقدَّسة – وخارجَها – ستُهمَّشُ لصالحِ أصواتٍ مُرتبطةٍ بسياساتِ إسرائيل المُهيمنة والإبادةِ الجماعيّة.

إنّ بيانَ البطاركةِ ليس دفاعيًّا، بل هو نبويّ. فهو يرسمُ خطًّا فاصلًا واضحًا بين التّمثيلِ الكنسيِّ الأصيلِ والبدائلِ المصطنعةِ سياسيًّا. ويُذكِّرُ الكنيسةَ العالميّةَ والعالمَ أجمع بأنّ الوجودَ المسيحيَّ في فلسطين لا يُمكنه البقاء إذا انفصل عن الحقِّ والعدلِ والتّجربةِ المعيشيّةِ لشعبِه، الذي ادّعى أسلافُه الإيمانَ أوّلًا ونشروه في العالم.

في هذا الوقتِ الحرج، نُشجِّعُ الجميع على دعمِ قادةِ كنيستِنا، والمُساعدةِ في ضمانِ الحفاظِ على هذا الوضوحِ وتعزيزِه، كما أعلن البطاركة، «في الأرضِ نفسِها التي عاش فيها ربُّنا وعلَّم وتألم وقام من بين الأموات».

*******************************

رفعت قسيس فلسطيني من بيت ساحور ناشط في مجال حقوق الإنسان والسياسة والمجتمع، تم اعتقاله وسجنه عدة مرات من قبل إسرائيل

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment