Skip to content

“يجب أن تصبح الصلاةُ ملاذًا لقول الحق، و تكريم الحزن، و الاصرار ان العدالة غير قابلة للتفاوض”

تاريخ النشر: يناير 16, 2026 2:38 م
دعوة للصلاة والتضرع لغزة

دعوة للصلاة والتضرع لغزة

سليم يعقوب منّير*

في الأسابيع الأخيرة، تلقينا العديد من رسائل البريد الإلكتروني التي تدعو إلى الصلاة، ونداءات عاجلة للتضرع بشأن الأحداث الجارية في أماكن مثل فنزويلا وإيران. غالبًا ما تنبع هذه الرسائل من تعاطف صادق وشوق حقيقي لرؤية رحمة الله تشمل الناس الذين يعيشون في ظلّ المشقة والقمع وعدم الاستقرار. أشارككم هذا القلق، وأصلي شاكرًا على ثبات المؤمنين الذين يرفضون اللامبالاة أمام المعاناة.

ومع ذلك، فبينما كنت أقرأ هذه الطلبات وأتضرع من أجلها، شعرتُ أيضًا بدافع داخلي متزايد القلق يدعونا، بلطف ولكن بحزم، إلى مزيد من التبصر. وإلى جانب هذا القلق الصادق، صادفتُ شيئًا آخر: افتراضات سياسية غربية، وتأطير إعلامي، وسرديات استراتيجية تُترجم غالبًا دون وعي إلى لغة الصلاة.

انا لا أكتب هذا الكلام على سبيل الاتهام، بل كدعوة رعوية إلى الصدق. لا أحد منا يصلي من منطلق الحياد. تتشكل صلواتنا بفعل تاريخنا، وبيئتنا الإعلامية، وثقافتنا السياسية، وتصوراتنا اللاهوتية. في الوقت نفسه، تعمل جهات سياسية نافذة، غالباً ما تكون متحالفة مع وسائل الإعلام المهيمنة، على صياغة الروايات باستمرار: من يُسمى ضحية، ومن يُوصم بالجاني، وأي سيناريوهات مستقبلية تُعتبر ممكنة أو مشروعة. عندما لا تُفحص هذه الروايات، فإنها لا تؤثر على آرائنا فحسب، بل تُشكل صلواتنا في الخفاء.

نتعلم من غزة أن المصالحة بلا عدل زائفة، والسلام بلا حقيقة عنيف، والدعاء بلا وضوح أخلاقي فارغ.

بالنسبة لجماعات الصلاة العالمية مثل شبكة الصلاة من أجل المصالحة (Peace and Reconciliation Network for WEA PRN)، فإن تنمية منظور غير غربي، ولا سيما منظور متجذر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ليس خيارًا، بل هو ضرورة حتمية. فبدونه، تُخاطر الصلاة بتعزيز أنظمة السلطة والظلم التي تسعى لمواجهتها. ويتفاقم هذا الخطر بشكل خاص عندما نصلي من أجل أماكن مثل غزة وإيران، حيث تتصادم الحقائق السياسية والمسؤولية الأخلاقية والخطاب اللاهوتي بكثافة غير مسبوقة.

لماذا تُعدّ النظرة غير الغربية مهمة للصلاة؟

يدعونا منظور غير غربي إلى التشكيك في المسلّمات التي تُعتبر غالباً عالمية في الخطاب الغربي: سيادة الدولة المطلقة، والديمقراطية الليبرالية التي يمكن تحقيقها عالمياً، والأمن باعتباره أسمى غاية أخلاقية. وبدلاً من ذلك، يُسلّط هذا المنظور الضوء على تاريخ الإمبراطوريات، والتقسيم الاستعماري، والحكم العنصري، والاستغلال الاقتصادي، والتحرر غير المكتمل من الاستعمار.

من هذا المنظور، لا يُعرَّف الشرق الأوسط أساسًا بـ”الدول الفاشلة” أو “الأحقاد القديمة”، بل هو منطقة تشكّلت بفعل الإدارة الإمبريالية المستمرة والنضالات الدؤوبة من أجل الكرامة والأرض والبقاء. إن الصلوات التي تتجاهل هذا التاريخ تُخاطر بأن تصبح مجردة أو انتقائية، تُعبّر عن التعاطف دون أن تُغيّر من طبيعة الأُطر التي تُنتج المعاناة.

غزة: من أزمة إنسانية إلى عتبة أخلاقية

كثيراً ما تُصوَّر غزة للعالم على أنها أزمة إنسانية؛ مأساوية، ومعقدة، وتبدو وكأنها تتكرر بشكل دوري. إلا أن الواقع الذي نواجهه اليوم يتجاوز لغة الأزمة أو الصراع. فثمة مجموعة متنامية من الدراسات القانونية والأخلاقية واللاهوتية تُقر بأن ما يحدث يُشكل إبادة جماعية: ليس مجرد قتل جماعي، بل تدمير ممنهج لظروف حياة شعب بأكمله.

من الناحية اللاهوتية، تكشف غزة عن خطيئة بنيوية بمستوى إبادة جماعية. فتدمير المنازل والمستشفيات وشبكات المياه والجامعات والعائلات يتبع منطقًا سياسيًا يجعل الوجود الفلسطيني نفسه بلا قيمة. الحصار والتدهور العمراني والسيطرة العنصرية تتضافر لتشكل ما يمكن وصفه باقتصاد الإبادة. إن الدعاء لغزة دون الإشارة إلى هذه الحقيقة يُخاطر باختزال الإبادة الجماعية إلى مجرد مأساة، والظلم إلى مجرد مصيبة.

أصبحت غزة نقطة تحول أخلاقية. لم يعد الحياد ممكناً. بات الصمت شكلاً من أشكال الرضا

بالنسبة للجماعات الدينية، أصبحت غزة نقطة تحول أخلاقية. لم يعد الحياد ممكناً. بات الصمت شكلاً من أشكال الرضا. حتى اللغة “المتوازنة” قد تُستخدم كوسيلة للتهرب من الحقيقة. من منظور ديني، هذه هي اللحظة التي يتحول فيها الرثاء إلى مقاومة. الرثاء يرفض الطمس، ويحفظ الذاكرة، ويُسمّي الضحايا لا كإحصائيات، بل كأرواح عزيزة. إنه يُواجه الله والعالم بعبء الظلم الذي لا يُطاق.

إيران: ما وراء الروايات التبسيطية

في العديد من الدعوات الغربية، تظهر إيران بشكل شبه حصري كتهديد استبدادي، ومزعزع للاستقرار، وخطير. وبينما لا ينبغي التقليل من شأن القمع الداخلي والإخفاقات السياسية في إيران، فإن منظورًا غير غربي يصر على فهم إيران تاريخيًا وهيكليًا، لا اختزالها إلى صورة كاريكاتورية.

لقد تشكّل واقع إيران ما بعد الثورة بفعل التدخل الأجنبي، والحرب المدمرة، وعقود من العقوبات، والعزلة الإقليمية المطوّلة. ولا تقتصر وظيفة العقوبات، على وجه الخصوص، على كونها ضغطاً اقتصادياً فحسب، بل هي أيضاً شكل من أشكال العقاب الجماعي الذي يُعيد تشكيل المجتمع ويُعزز سلطة المؤسسات القمعية.

في الوقت نفسه، تُقدّم إيران نفسها كمدافعة عن المضطهدين، ولا سيما الفلسطينيين، مُؤطّرةً انخراطها الإقليمي بمصطلحات أخلاقية ودينية. لا ينبغي تجاهل هذا الموقف أو تضخيمه. تعمل إيران ضمن نظام إقليمي مُجزّأ يُقيّد بشدة قدرتها على منع فظائع مثل الإبادة الجماعية في غزة.

يجب أن تحافظ الصلاة الصادقة على توازنها دون أن تتحول إلى مجرد شعارات.

لذا، يجب أن تحافظ الصلاة الصادقة على توازنها دون أن تتحول إلى مجرد شعارات. نقاوم التشويه دون تبني المثالية. نصلي من أجل العدالة دون تحويل المقاومة إلى غفران. نسمي المعاناة باسمها دون تبسيط التعقيد.

عندما تصبح الصلاة سياسية دون أن ندري

ليست المشكلة في كون الصلاة سياسية. فكل صلاة سياسية، لأنها تتصور كيف ينبغي أن تُنظَّم السلطة والعدالة والأمل في عالم الله. يكمن الخطر في الصلاة التي تُصبح مدفوعة سياسياً دون وعي لاهوتي. فعندما نصلي من أجل الاستقرار دون عدالة، أو السلام دون مساءلة، أو “الطرفين” دون تحديد السلطة، فإننا نخاطر بنوع من الخمول اللاهوتي، فنندب المعاناة ونرفض مواجهة أسبابها.

تكشف غزة عن حدود هذا النوع من الصلاة بوضوح مدمر. نحو صلاة صادقة في زمن الإبادة الجماعية. تُشكّل غزة اليوم موقعاً محورياً للتأمل اللاهوتي بعد الإبادة الجماعية. ومثلها مثل غيرها من اللحظات التاريخية التي حطمت الرضا اللاهوتي، فإنها تستدعي إعادة النظر في المصالحة والمقاومة والأمل.

نتعلم من غزة أن المصالحة بلا عدل زائفة، والسلام بلا حقيقة عنيف، والدعاء بلا وضوح أخلاقي فارغ. يجب أن ينسجم الدعاء الصادق في هذه اللحظة بشكل قاطع مع الحياة والكرامة ورفض الإبادة. يجب أن يصغي إلى أصوات المهمشين، وخاصة أولئك الذين يعيشون تحت الحصار والتهميش.

بالنسبة لشبكة PRN وغيرها من الشبكات العالمية، فإن تبني منظور غير غربي، منظور شرق أوسطي، مع وضع غزة وإيران في صميمه بصدق، من شأنه أن يعمق الصلاة بدلاً من تسييسها. هذه الصلاة لا توجه الله وفقاً لرواياتنا المفضلة، بل تسمح له بتقييم رواياتنا، وإعادة تشكيل تصوراتنا، ودعوتنا إلى تضامن مكلف.

في عالمٍ غالبًا ما تُخفي فيه السلطة العنفَ وراءَ الخطاب الأخلاقي، يجب أن تصبح الصلاةُ ملاذًا لقول الحق، والحزن مكرم، والعدالة غير قابلة للتفاوض. هذه ليست دعوةً لصلواتٍ حزبية، بل هي دعوةٌ لصلاةٍ مستوحاةٍ من الكتاب المقدس، تتشكل من الرثاء، وتسترشد بالأنبياء، وتتمحور حول المسيح المصلوب.

لعلّ صلواتنا لا تسكت. عسى أن يقاوموا الظلم. وليكن ذلك انعكاساً لقلب الله الذي يسمع صرخة المتألمين بالأمل والعزيمة.

  • العميد الأكاديمي والأستاذ في كلية بيت لحم للكتاب المقدس من عام 1989 إلى عام 2008. وهو أستاذ مساعد في معهد فولر اللاهوتي والجامعة العبرية في القدس.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment