
السابق دار الكتاب المقدس: مبادرةُ «خدمة عيد القيامة» تدعمُ أكثرَ من 2400 عائلةٍ بمشاركةِ 80 كنيسة

عمّان، الأردن – قدّم حازم الناصر، وزير المياه الأردني السابق، عرضاً موجزاً وواضحاً حول مستقبل المياه في الأردن. وأوضح أن تغير المناخ، وتدفقات اللاجئين، والاضطرابات السياسية الإقليمية، كلها عوامل تختبر قدرة البلاد على الصمود، مشيداً بالابتكار والتخطيط الرشيد باعتبارهما حجر الزاوية لأي حل مستدام.
في كلمة ألقاه في نادي روتاري عمّان كوزموبوليتان في فندق فور سيزوون يوم الأربعاء، أوضح الناصر المشكلة والحلول المقترحة لأزمة المياه في الأردن. وأشار إلى وجود ثلاثة مسارات فعّالة لتوفير المياه، وهي: التعاون بين دول الجوار (عند تبادل المنفعة)، وتوسيع موارد المياه الجوفية العميقة، ومشروع نقل المياه الوطني، إلى جانب إدارة فعّالة للطلب واستخدام التكنولوجيا الذكية، والتي تُشكّل الركيزة الأساسية لاستراتيجية المياه في الأردن في مواجهة تغير المناخ والصراعات.
حذرالناصر من أن واقع ما بعد حرب غزة قد أعاد تشكيل التعاون الإقليمي في مجال المياه. وقال إن التعاون مع إسرائيل، الذي كان يُنظر إليه في السابق كمسار محتمل للمضي قدمًا، أصبح “غير مجدٍ تقنيًا وغير مقبول سياسيًا” بعد الصراع والضغوط المحيطة به. وأضاف: “خلال حرب غزة، وبعد أن حاول الإسرائيليون تهديد الأردن بقطع المياه، أصبح هذا الخيار غير مجدٍ تقنيًا وغير مقبول سياسيًا”. وأكد هذا التصريح كيف يمكن للاعتبارات الأمنية أن تُغير حسابات المياه الراسخة. كما ستؤثر الحرب الأخيرة على إيران على الأردن، حيث من المرجح أن تتراجع الدول المانحة عن التزاماتها، على الرغم من إصراره على أن مشروع ناقلة المياه الأردنية لن يتأثر.
بعيدًا عن الجغرافيا السياسية، أشار وزير المياه السابق إلى إمكاناتٍ غير معروفة على نطاق واسع، لكنها بالغة الأهمية، للمساهمة في حل مشكلة المياه. وقال إن المياه الجوفية العميقة تُعدّ ركيزةً أخرى من ركائز استراتيجية الأردن. وأضاف: “مستقبل الأردن مضمونٌ فيما يتعلق بمياه الشرب بفضل المياه الجوفية العميقة”، مُشيرًا إلى أن بعض طبقات المياه الجوفية تصل أعماقها إلى 2000 متر. وبينما تتطلب مياه الطبقة الجوفية الشمالية معالجة، فإن الاحتياطيات الجنوبية عذبةٌ في معظمها. وأكد أن الاستثمار في أبحاث المياه الجوفية، بل وحتى في برامج جامعية جديدة، أمرٌ ضروري لحماية هذا المورد.

يُشكّل مشروع نقل المياه الوطني ركيزة أساسية في رؤيته. يهدف هذا المشروع، الذي انطلق عام ٢٠١٦، إلى تأمين إمدادات مياه محلية واسعة النطاق، ما يقلل الاعتماد على مصادر المياه العابرة للحدود. ورغم تكلفته الباهظة – ” فهو يستغرق وقتًا” وقد يتجاوز سعره ٣ دولارات للمتر المكعب من المياه – إلا أن الناصر يرى أن هذا الخيار لا غنى عنه نظرًا للظروف الإقليمية غير المستقرة. “هذا المشروع بالغ الأهمية، واستراتيجي للغاية، لذا فهو يستغرق وقتًا”.
أكد الناصر أن تغير المناخ ليس تهديدًا بعيدًا، بل أزمة مستمرة. واستشهد بدراسة طويلة الأمد أجراها مع جامعة ستانفورد لتوضيح مسار الجفاف في الأردن: “على مدى الأربعين عامًا الماضية، ووفقًا لدراسة شاركتُ فيها بجامعة ستانفورد، نفقد سنويًا 0.6 مليمتر من الأمطار … وإذا استمر الوضع على هذا المنوال لأربعين عامًا أخرى، كما تتوقع نماذج المناخ الدولية، فسيفقد الأردن ما بين 15 و20 بالمئة من معدل هطول الأمطار السنوي، وذلك بحسب المنطقة”. وحذر من أن العواقب وخيمة: فقلة الأمطار تقلل من جريان المياه السطحية، وتدفق الأنهار، وتغذية المياه الجوفية.
واعتبر وزير المياه الأسبق أن قضية المناخ لا يمكن حلها بأبحاث قصيرة الأجل أو أوامر شاملة مفروضة من أعلى إلى أسفل. وقال: “إن قضية تغير المناخ أكثر تعقيدًا مما نتصور، وأكثر خطورة مما نتصور”، مشددًا على ضرورة الوقت وإجراء تعديلات مدروسة على السياسات بدلًا من وصفات شاملة وموحدة. وكان نقده لليقين المطلق واضحًا: “أعتقد أن العلم لم يصل بعد إلى مرحلة نعرف فيها بدقة الخطوات التي نحتاج إلى اتخاذها للحد من آثار تغير المناخ”.
انتقل الناصر إلى الجوانب العملية للتخطيط والتمويل، محذراً من أن مشاريع قطاع المياه – كالسدود ومشاريع الري وتطوير شبكات الصرف الصحي – غالباً ما تستغرق سنوات لإنجازها. وأضاف: “يتطلب التخطيط في قطاع المياه، وخاصة مشاريع المياه والصرف الصحي والري، ما بين سبع إلى تسع سنوات من الجهد لإنجاز أي مشروع”.
لكن خبير المياه لم يكتفِ بالتشخيص، بل سلّط الضوء على مرونة الأردن في مواجهة تدفق هائل للاجئين. فقد استقبلت البلاد 1.5 مليون سوري، ما رفع عدد سكانها بنحو 22%، وزاد الطلب على المياه باتجاه الشمال بنحو 40%. وفي هذا الاختبار الصعب، أشاد الناصر بـ”قدرة الأردن الحقيقية على التكيف والمرونة”، مشيرًا إلى تضافر جهود الحكومة والجهات المانحة والمواطنين في تدابير إدارة الطلب والتوعية بترشيد استهلاك المياه. وأثنى على ثقافة ترشيد المياه الوطنية، قائلاً: “الأردنيون يدركون تمامًا ندرة المياه”. واستذكر المناهج الدراسية التي تُعلّم الأطفال ترشيد استهلاك المياه الشحيحة، وضرب مثالًا بسيطًا بعائلة خفضت استهلاكها الأسبوعي من المياه كدليل على الأثر الإيجابي. وأضاف: “الطريقة البسيطة التي اتبعناها في مدارسنا لتوفير المياه… هي أفضل إدارة للطلب على المياه في العالم”.
أشاد الناصر بريادة الأردن في مجال تجميع المياه وإدارتها الذكية، لا سيما في وادي الأردن. وأثنى على شركة مياه العقبة كنموذج للابتكار، حيث يمكن للعملاء مراقبة استهلاكهم في الوقت الفعلي عبر تطبيقات الهاتف المحمول، مع ترجمة البيانات إلى تكاليف فورية. وقال: “يتلقى كل عميل في العقبة، عبر تطبيقه، معلومات كل ثانية عن كمية المياه التي يستهلكها، وما يترتب على ذلك من تكاليف للمواطنين الأردنيين”. ووصف المراقبة عن بُعد للمرافق – من الخزانات إلى محطات معالجة مياه الصرف الصحي – بأنها سمة مميزة للكفاءة.
في فقرة الأسئلة والأجوبة التي تلت المحاضرة أقر الناصر بوجود معوقات عملية أمام توسيع نطاق شبكات المياه الذكية على مستوى البلاد. وأوضح أن توسيع البنية التحتية المتقدمة للعدادات وأجهزة الاستشعار على مستوى الدولة سيتطلب عشرات الآلاف من الوصلات الجديدة، قائلاً : ” العدد حوالي 70 ألفًا، وعمّان 1.2 مليون. إنه أكبر بكثير. الأمر يستغرق وقتًا، لكنه قادم”. كما تطرق إلى الاقتصاد السياسي للمياه العابرة للحدود، مشيرًا بصراحة إلى أن التعاون مع بعض الدول المجاورة لا يزال يمثل تحديًا، وأن “اليمين المتطرف” الإسرائيلي يعقد التعاون الحقيقي والمستدام.
واختتم الناصر حديثه بنبرة عملية، مشيرًا إلى تجميع مياه الأمطار كنهج تكميلي منخفض التكلفة لتحقيق الاستدامة، مشجعًا الحلول المحلية والأسرية جنبًا إلى جنب مع المشاريع الضخمة. وأكد أن الخلاصة واضحة: يجب على الأردن الموازنة بين التخطيط القائم على أسس علمية، والابتكار التكنولوجي، والتوقعات السياسية الواقعية لتأمين المياه لمواطنيه اليوم وغدًا.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!