Skip to content

 من الحصن إلى الأردن: الريحاني مبادرة توحيد الأعياد

تاريخ النشر: أبريل 2, 2026 10:59 ص
WhatsApp Image 2026-04-02 at 10.55.31 AM

بقلم: ديفيد أيوب الريحاني

تُعدّ مدينة الحصن في محافظة إربد شمال الأردن واحدة من أعرق المدن الأردنية ذات الحضور المسيحي التاريخي، وهي مدينة امتازت عبر الزمن بإرث حضاري عميق، إذ تشير الشواهد الأثرية إلى ارتباطها بمدينة ديون، إحدى مدن حلف الديكابولس الروماني، كما عُرفت في بعض المراحل التاريخية باسم مقدية.


وفي هذا الفضاء الاجتماعي العريق، برزت عشيرة الريحاني (الرياحين) بوصفها واحدة من أبرز العائلات المسيحية في الحصن، ليس فقط بحضورها الاجتماعي والتعليمي والكنسي، بل أيضاً بدورها الريادي في إطلاق مبادرة توحيد الأعياد المسيحية داخل العائلة الواحدة، وهي خطوة سبقت زمانها، وتركت أثراً واضحاً في المجتمع الأردني.


بداية الفكرة

بحسب الرواية الاجتماعية المتوارثة في الحصن، كانت عشيرة الريحاني أول من بادر عملياً إلى توحيد الاحتفال بالأعياد المسيحية داخل الأسرة الواحدة في منتصف خمسينيات القرن العشرين. وقد جاءت هذه المبادرة نتيجة واقع كانت تعيشه كثير من العائلات المسيحية، حيث كان أفراد البيت الواحد ينتمون إلى طوائف مختلفة، فتأتي الأعياد في مواعيد متباينة، ما كان يحرم الأسرة من الاجتماع الكامل ويضعف روح المناسبة الجامعة.

ومن هنا، نشأت لدى وجهاء العائلة رؤية اجتماعية متقدمة، تقوم على أن وحدة الأسرة أولى بأن تُصان، وأن فرحة العيد يجب أن تجمع الجميع في يوم واحد، بعيداً عن تشتت المواعيد واختلاف التقويمات الكنسية.


ورغم ما واجهته هذه الفكرة في بداياتها من تحفظات كنسية وطائفية، فإنها أثبتت مع الزمن نجاحها الاجتماعي والإنساني، وانتقلت تدريجياً إلى عائلات أخرى في الحصن، ثم إلى مناطق أردنية متعددة، حتى أصبحت نهجاً مقبولاً وواسع الانتشار.

ديفيد ريحاني

وثيقة 1958 ورسالة الفاتيكان

تكتسب هذه المبادرة أهمية توثيقية خاصة من خلال وثيقة مؤرخة عام 1958، وهي نسخة من ملف النظام الأول جمعية الريحاني التعاونية للمنفعة المتبادلة، وقد أُلحقت بها رسالة كتبها المهندس أمجد طعمة الريحاني إلى قسم التوثيق في الفاتيكان، لإعلامهم بهذه التجربة الاجتماعية الرائدة.

وتشير هذه الرسالة إلى أن الفكرة انطلقت من ملاحظة دقيقة لواقع العائلة الممتدة، حيث كان اختلاف الانتماءات الطائفية داخل الأسرة الواحدة يؤثر في ممارسة روح العيد، فجاءت المبادرة بوصفها محاولة واعية لتغليب وحدة العائلة على تباين التواريخ، وهي خطوة تحمل بُعداً إنسانياً ووطنياً سبق النقاشات العالمية الحالية حول توحيد الأعياد المسيحية.

الحصن والكنائس.. تنوع يوحّد

تاريخ الحصن الكنسي شاهد حيّ على هذا التنوع؛ فقد ازدهرت فيها المسيحية منذ العصر البيزنطي، وانتشرت الكنائس والأرضيات الفسيفسائية التي ما تزال آثارها ماثلة حتى اليوم.

ومن أبرز كنائسها، مرتبة حسب تاريخ تأسيسها:

• كنيسة الروم الأرثوذكس – 1886

• الكنيسة الإنجيلية الأسقفية العربية – حوالي 1890 

• كنيسة اللاتين – 1894م

• كنيسة الروم الكاثوليك – 1913

• الكنيسة المعمدانية – 1978–1981


ومن اللافت في الحصن أن أبناء العائلة الواحدة كثيراً ما توزعوا على أكثر من كنيسة، وخصوصاً بسبب المدارس التي كانت تديرها الكنائس المختلفة، إذ كانت بعض العائلات ترتبط بالكنيسة التي يتلقى أبناؤها التعليم في مدارسها. وقد انعكس هذا الواقع بوضوح على آل الريحاني، الذين توزع أبناؤهم بين أكثر من طائفة، لكن ذلك لم يكن سبباً للانقسام، بل كان دافعاً لتقوية الروابط العائلية والاجتماعية.

التعليم جسراً للوحدة

في ستينيات القرن العشرين، برز في مدينة الحصن نموذج مضيء للتعاون بين الطوائف المسيحية، حين أسّس القس أيوب الريحاني مدرسةً مشتركة بالتعاون بين كنيسة انجيلية  وكنيسة الروم الأرثوذكس، عُرفت باسم مدرسة كنيسة جماعات الله الاردنية والروم الأرثوذكس، وكان مقرها في مجمع دير الروم الأرثوذكس .

وقد مثّل هذا المشروع التربوي علامة فارقة في تاريخ التعليم الأهلي في الحصن، إذ لم يكن مجرد مدرسة، بل كان رسالة عملية تؤكد أن التعاون بين الكنائس يمكن أن يتحول إلى مشروع نهضوي يخدم أبناء العائلات جميعاً.

لقد جاء تأسيس هذه المدرسة استجابةً لحاجة المجتمع المحلي إلى التعليم، في وقت كانت فيه المدارس الكنسية تشكّل ركيزة أساسية في بناء الأجيال. ومن خلال هذا التعاون، تحوّل الدير إلى فضاء يجمع أبناء العائلات من مختلف الانتماءات الكنسية، في صورة تعكس روح الانفتاح التي تميزت بها الحصن.

ويكشف هذا النموذج أن التعدد الكنسي داخل العائلة الواحدة، وخصوصاً لدى عشيرة الريحاني، لم يكن عامل تباعد، بل كان مدخلاً للتكامل الاجتماعي والتربوي، وهو ما ينسجم مع الدور الريادي الذي قامت به العشيرة في توحيد الأعياد المسيحية وترسيخ وحدة الأسرة.

خاتمة

إن تجربة عشيرة الريحاني في الحصن ليست مجرد صفحة عائلية، بل نموذج حي للمبادرة الاجتماعية التي تعزز وحدة الأسرة والمجتمع المسيحي. هذه المبادرة أثبتت أن التعاون بين الطوائف المختلفة يمكن أن يتحول إلى قوة إيجابية تصنع الفارق في المجتمع.

ونأمل أن تستمر مثل هذه المبادرات في تعميق التقارب والتفاهم بين الكنائس والطوائف، لنكون جميعاً عائلة مسيحية واحدة، نعمل معاً في خدمة المجتمع، وتعزيز قيم العطاء والمحبة، ولصون ما يميز بلدنا الحبيب الأردن اهل للمبادرات من تعايش وانسجام ونماذج إنسانية ملهمة.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment