Skip to content

من إكليل الشوك إلى طاولةِ العيد… رمزيّة المعمول في الفصحِ المجيد

تاريخ النشر: أبريل 10, 2026 2:30 م
معمول

ليندا زكي- ملح الأرض

يحتفلُ المسيحيّونَ الشرقيّونَ في الثاني عشرَ من نيسانَ (أبريلَ) بعيدِ الفصحِ المجيدِ، حيثُ تكتملُ لوحةُ العيدِ، وهي لوحةٌ لا تكتملُ إلّا بلمّةِ العائلةِ وتبادلِ التهاني التي تعكسُ دفءَ الروابطِ الاجتماعيّةِ. حيث تفتحُ الكنائسُ أبوابَها والقلوبُ قبلَها، لتستقبلَ المهنّئينَ في مشهدٍ يُجسّدُ أسمى معاني التآخي والعيشِ المشتركِ الذي يمتازُ بهِ مجتمعُنا.

ويتبادلُ المسيحيّونَ التهنئةَ بقولِهم: «المسيحُ قام… حقًّا قام… ونحنُ شهودٌ على ذلك»، ليتوالى بعدَها تقديمُ البيضِ الملوّنِ والمعمولِ والكعكِ، ولكلٍّ منهما رمزيّةٌ يلتزمُ بها المسيحيّونَ.

الأب خليل جعار

رمزيّة معمول عيد الفصح:

ويحاكي المعمولُ شكلَ إكليلِ الشوكِ الذي وُضعَ على رأسِ المسيحِ عندَ صلبِهِ، وداخلَهُ تمرٌ يرمزُ إلى الإسفنجةِ المبلّلةِ بالخلِّ، فكلُّ تفصيلةٍ في هذا المعمولِ تحملُ شيئًا من حياةِ المسيحِ.

وتبقى طقوسُ عيدِ الفصحِ المجيدِ حاضرةً في البيوتِ المسيحيّةِ، كتهنئةِ الفصحِ والمعمولِ المقدَّمِ كضيافةٍ، والذي يقولُ عنهُ الأب خليل جعار في لقاءٍ خاصٍّ مع ملح الأرض: “نحنُ مسيحيّي الشرقِ، نحنُ أبناءُ القيامةِ، نحنُ شهودُ هذا الحدثِ العظيمِ الذي غيّرَ مجرى تاريخِ البشريّةِ، وفتحَ أمامَنا طريقَ الخلاصِ وأنارَ الطريقَ نحوَ اللهِ بقيامتِهِ المجيدةِ”.

وأضافَ: من هذا الواقعِ وهذهِ الحقيقةِ نحنُ شهودٌ ولسنا فقط ناقلينَ رسالةً، لذلكَ يومَ ذكرى قيامةِ الربِّ المجيدةِ اعتادَ المسيحيّونَ في الشرقِ أن يهنّئوا بعضَهم بعضًا بتحيّةِ: المسيحُ قام. فيُجيبُ الآخرُ: حقًّا قام ونحنُ شهودٌ على ذلك. تحيّةُ شاهدٍ على حقيقةٍ قبلَها أبًا عن جدٍّ.

ولفتَ الأبُ جعار إلى أنَّ الغربَ المسيحيَّ؛ حيثُ كانتِ الكنيسةُ تحترمُ عاداتِ وتقاليدَ الشعوبِ التي تقبلُ بشارةَ الإنجيلِ، لكنّها كانتْ تغيّرُ معنى العيدِ وتُعطيهِ روحًا مسيحيّةً. فالشعوبُ الأنكلوسكسونيّةُ كانتْ تحتفلُ بعيدِ الربيعِ «إيوستر» كإلهٍ، وأضافَ: “بقيَ الاسمُ لكن أُعطيَ معنى روحيًّا بقيامةِ السيّدِ، فأصبحتِ الحياةُ منبعثةً من جديدٍ وربيعًا جديدًا”.

الأب خليل جعار يتحدث عن رمزية المعمول

دلالاتُ الضيافةِ: من إكليلِ الشوكِ إلى بيضةِ القيامةِ


أمّا المعمولُ المحشوُّ المقدَّمُ كضيافةٍ في العيدِ، فتساءل عنهُ الأبُ جعار: ما هي رمزيّةُ الكعكِ والمعمولِ والبيضِ المصبوغِ في ضيافةِ عيدِ القيامةِ المجيدِ؟ وأكّدَ أنَّ إيمانَنا المسيحيَّ يرتكزُ على حقيقةِ القيامةِ المجيدةِ وكلمةِ اللهِ المكتوبةِ، وأضافَ إلى ذلكَ التقليدَ المسيحيَّ الشعبيَّ، أي كيف عاشَ أجدادُنا إيمانَهم في أدقِّ ظروفِ الحياةِ اليوميّةِ.

وقالَ: «من التقاليدِ المسيحيّةِ في شرقِنا أن نقدّمَ إلى الأهلِ والأصدقاءِ وكلِّ من يزورُنا بمناسبةِ عيدِ القيامةِ وهو الكعكَ، وهو يرمزُ في تقليدِنا المسيحيِّ إلى إكليلِ الشوكِ الذي حملَهُ السيّدُ المسيحُ على هامّتِهِ المقدّسةِ حبًّا بنا».

المعمولُ: حلوى محشوّةٌ بالتمرِ والجوزِ واللوزِ، وهي ترمزُ إلى الإسفنجةِ التي رفعَ بها الجنديُّ الرومانيُّ ليسقي بها يسوعَ وهو على الصليبِ عندما قال: «أنا عطشان»، لكن بآلامِهِ وعطشِهِ شُفينا من خطايانا.

وقالَ الأبُ جعار إنَّ مسيحيّي الشرقِ كانوا يحيّونَ بعضَهم بقولِ: «المسيحُ قام»، ليُجيبَ الآخرُ: «حقًّا قام».

سهامُ العباسي (أمُّ ميشيل)

تبدّلُ الأحوالِ وغيابُ «رائحةِ البيوتِ»


تفرحُ الكنيسةُ والمسيحيّونَ والمؤمنونَ بهذه المناسبات الدينية، إلّا أنَّ هناكَ من يرى أنَّ فرحةَ العيدِ لم تعدْ كما في السابقِ، وأنَّ الحالَ تبدّلَ، حتى إنَّ السيّداتِ والعائلاتِ أصبحنَ يفضّلنَ شراءَ المعمولِ من المحالِّ بدلًا من إعدادِهِ في المنزلِ، كما قالتْ سهامُ العباسي (أمُّ ميشيل) في حديثِها مع “ملح الأرض“.

وأضافتْ: «كانتْ سيّداتُ الحيِّ يجتمعنَ سابقًا لصنعِ المعمولِ والكعكِ، وكانتْ رائحةُ البيوتِ تفوحُ برائحةِ الخَبزِ، أمّا اليومَ فلا نرى ذلكَ، فقد تغيّرتْ الأحوالُ ولم تعدْ كما كانتْ». وقالتْ أيضًا: «كنّا نستعدُّ لخبزِ الكعكِ والمعمولِ قبلَ أسبوعٍ من العيدِ، ونُعدُّ كعكَ الصبيانِ والمعمولَ بالتمرِ والجوزِ».

وفي خضمِّ كلِّ هذه الطقوسِ والتقاليدِ، يبقى المعمولُ أكثرَ من مجرّدِ ضيافةٍ تُقدَّمُ في عيدِ القيامةِ؛ فهو ذاكرةٌ حيّةٌ تختزنُ معاني الإيمانِ والتضحيةِ والقيامةِ. في تفاصيلِه الصغيرةِ، من شكلهِ الذي يرمزُ إلى إكليلِ الشوكِ، إلى حشوتِه التي تحكي قصّةَ الألمِ والخلاصِ، يتحوّلُ المعمولُ إلى لغةٍ صامتةٍ تروي حكايةَ العيدِ عبرَ الأجيالِ.

ورغم تغيّرِ الزمنِ وتبدّلِ العاداتِ، يبقى حضورُ المعمولِ شاهدًا على عمقِ هذا التراثِ، وعلى قدرةِ البساطةِ في الحفاظِ على جوهرِ الإيمانِ، ليظلَّ العيدُ حيًّا في القلوبِ… بطعمٍ يحملُ في كلِّ قضمةٍ معنى القيامةِ والأملِ.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment