Skip to content

مقال رأي- على مفترق طرق: الكنيسة الأرمنية والصمت الذي نشعر به

تاريخ النشر: فبراير 18, 2026 10:23 ص
الكاتب سايمون ازازيان - بطريركية الارمن في القدس

الكاتب سايمون ازازيان - بطريركية الارمن في القدس

سايمون أزازيان*

القدس، فبراير ٢٠٢٦

ثمّة شعورُ عميق بالرهبةِ عندَ دخولِ كنيسةِ المهد في بيت لحم. يلفّ المكان عبق التاريخ. أجيالٌ كثيرة صلّت هناك، وقامت إمبراطوريات وسقطت حولها. ومع ذلك، لا تزال أنوار المصابيح مضاءة فوق المغارة.

لعدّة قرون، كان هذا المكان المقدس مكاناً مشتركًا في ظل ما يُعرف بأتفاقية «الوضع الراهن»؛ وهو اتفاق يعود إلى العهد العثماني، يُقسّم الحقوق والمسؤوليات بدقة بين الجهات الثلاث التاريخية المسؤولة عن كنيسة القيامة وكنيسة المهد: بطريركية الروم الأرثوذكس في القدس، وحراسة الأراضي المقدسة، وبطريركية الأرمن في القدس. لا شيء يتحرك هناك دون اتفاق: لا كرسي، ولا سلّم، ولا حتى مصباح. إنه توازن دقيق بُني لمنع النزاعات والحفاظ على الوجود.

وقد جرت مؤخرًا أعمال ترميم في كنيسة المهد، حيث ارتبطت الكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة اللاتينية علنًا بهذه الترميمات. أما الكنيسة الأرمنية، فرغم أنها لا تزال الوصيّ الشرعي في ظل الوضع الراهن، فقد بدت أقل حضورًا في هذه الجهود. وقد أثار هذا الغياب… سواء كان عمليًا أو إداريًا أو رمزيًا، تساؤلاتٍ في قلوب الكثيرين. لأن الأمر لا يقتصر على الحجارة والترميمات فحسب، بل يتعلق بالحضور.

تتواجد الكنيسة الأرمنية في القدس وبيت لحم منذ أكثر من ستة عشر قرنًا. قبل وجود الحدود والحكومات الحديثة، كان الرهبان الأرمن يصلّون في هذه الشوارع. إن الحي الأرمني في البلدة القديمة بالقدس ليس مجرد عقاراً، بل هو ذاكرة وصمود وهوية. إنه صدى حيّ لشعب عانى من المنفى والاضطهاد والإبادة الجماعية، لكنه رفض الزوال.

ومع ذلك، يبدو اليوم مختلفًا…

في السنوات الأخيرة، واجهت البطريركية الأرمنية ضغوطًا داخلية وخارجية خطيرة: معارك قانونية، ضغوطًا مالية، جدلًا حول اتفاقيات الملكية، وانقساماتٍ مؤلمة داخل المجتمع. وقد زعزعت صفقة الأرض المتنازع عليها في الحي الأرمني الثقة بشدة، وتلتها دعاوى قضائية وانتقادات عامة. وفي الوقت نفسه، زادت الضغوط المالية والنزاعات الضريبية من وطأة الوضع.

ثمّة صمتٌ غريب يخيّم على المكان…

لاحظ كثيرون أن البطريرك نورهان مانوجيان لم يعد حاضرًا بقوة كما كان من قبل؛ ظهورات علنية أقل، وحضور شبه معدوم في المناسبات الليتورجية أو الجماعية الكبرى. وسواء أكان ذلك لأسباب صحية، أو حرصًا منه، أو توترات داخلية، أو صمتًا استراتيجيًا، فإن الناس يشعرون بهذا الغياب. فالقيادة الكنسية في الأرض المقدسة ليست إدارية فحسب، بل لها رمزية قوية ومعنوية أيضًا. وغياب البطريرك، ولو مؤقتًا، له دلالات كثيرة.

قد يكون من السهل، بل ربما من السهل جدًا، القول إن هذه هي النهاية. لكن التاريخ يعلّمنا أن الكنيسة الأرمنية لا تتلاشى بسهولة. فقد نجت من لحظات أشد وطأة من هذه. وعانت من التشتت عبر القارات، ومع ذلك حافظت على وحدة الإيمان. ودفنت الشهداء، ومع ذلك أنشدت القداس الإلهي في صباح اليوم التالي.

لذا، ربما ليست هذه نهاية… ربما هي مفترق طرق…

مفترق الطرق هذا يثير عدة تساؤلات: من نحن؟ ما الذي يجب أن نحميه؟ ما الذي يجب أن نُغيّره؟ كيف نعيد بناء الثقة؟ كيف نعزز القيادة؟ كيف نضمن أن يكون الوجود الأرمني في الأرض المقدسة ليس تاريخيًا فحسب، بل حيًا نابضًا بالحياة؟

قد يضمن “الوضع الراهن” حقوق الكنيسة رسميًا وعلى الورق، لكن وجودها الحقيقي لا يحفظه القانون وحده، بل يحفظه الناس: شجاعتهم، وصدقهم، ووحدتهم، وتجددهم الروحي. وإذا بدت الكنيسة الأرمنية اليوم أكثر هدوءًا، فقد يكون ذلك علامة على أنها تمرّ بمرحلة اختبار. والاختبار، رغم قسوته، يمكن أن يقود إمّا إلى الانقسام، أو إلى تنقية وتجديد.

واليوم، فيما تُرمَّم حجارة كنيسة المهد، ربما نحن أيضًا أمام فرصة لترميم ما هو أعمق: ترميم الثقة، وتعزيز الوضوح، وتقوية التواصل داخل الكنيسة الأرمنية. فالمؤسسات لا تتجدد بمجرد تغيير أنظمتها أو تطوير خططها. التجديد الحقيقي يبدأ من الداخل. يبدأ عندما تعود القلوب إلى الله، وعندما يقف القادة والمؤمنون بروح التوبة لا بروح الدفاع عن الذات، وعندما يحلّ التواضع مكان الكبرياء، وتُواجَه الجراح بصدق بدل أن تُخفى في صمت.

لم يعتمد بقاء الكنيسة يومًا على الحقوق القانونية أو الادعاءات التاريخية فحسب، بل على علاقة حيّة مع الله؛ على رجال ونساء يسعون إلى المغفرة قبل السعي إلى النفوذ؛ على مجتمع يتذكّر أن المسيح لا يُكرَّم في الطقوس الدينية المكررة، بل عندما يُتوَّج ربًا على الحياة اليومية.

إذا كنّا فعلًا أمام مفترق طرق، فقد يكون هذا الوقت دعوة لنا لنرجع إلى الأساس، إلى ما جعل الكنيسة الأرمنية قوية منذ البداية: إيمان صامد وسط الألم، وثقة بالله حتى في أوقات الحيرة، وشجاعة لنضع كل شيء بين يديه.

ترميم الحجارة أمر مهم، لكن الأهم هو ترميم القلوب، لأن ما يُبنى في القلب يبقى إلى الأبد. وعندما يملك يسوع على القلوب حقًا، لا بالاسم فقط بل بصدقٍ كامل، تستطيع حتى أصغر الجماعات وأضعفها أن تبقى ثابتة.

ربما هذا الزمن ليس زمن تراجع، بل زمن عودة إلى الله، إلى الذي هو وحده يبني كنيسته ويجددها من جديد.

*مستشار لشؤون الكنائس

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment