
السابق باسمة سمعان تدعو لدعمِ السياحةِ المسيحيّةِ في الأردن ومقالها يثيرُ نقاشًا واسعًا

رانيا الياس- ترجمة عن موقع electronic intifada
ابني شادي خوري – حارس مرمى كرة قدم ماهر، طالب خجول لكنه مجتهد يتمتع بثقة هادئة بالنفس – ليس مجرد رقم في إحصائيات نظام الظلم الإسرائيلي.
اختُطف شادي من منزل عائلتنا في القدس في أكتوبر ٢٠٢٢، وهو في السادسة عشرة من عمره. ولذلك، فهو شاهد على آلة الاستعمار الإسرائيلية التي تعمل بلا هوادة على تحويل طفولة الفلسطينيين إلى بؤرة صدمات. اقتحمت القوات الإسرائيلية المسلحة منزلنا، وهي تصرخ بأن لديها أمرًا باعتقال ابني، فضربت شادي وسحبته مكبل اليدين ومعصوب العينين، حافي القدمين، ولا يرتدي سوى ملابس نومه – سروال قصير وقميص من ماراثون فلسطين في بيت لحم. أخبرنا شادي لاحقًا أن محققيه ضربوه بسبب قميصه.
خلال الاستجواب، تعرض للضرب المبرح مرارًا، وفقد وعيه ثلاث مرات، وأصيب بكسر في الأنف، وتلقى تهديدات لا ينبغي لأي طفل أن يتحملها. بعد 41 يومًا من الاحتجاز، وُضع شادي رهن الإقامة الجبرية المشددة لمدة عام كامل. مُنع من الذهاب إلى المدرسة بحرية، ومُنع من اللعب في الخارج، وخضع لمراقبة مستمرة.
اتُهم شادي بالمشاركة في احتجاج، ولم يعترف قط بأي ذنب، وخضع لـ 41 جلسة محكمة على مدى ثلاث سنوات من الملاحقة القانونية، مما يُجسد نظامًا يُوظف القانون كأداة للقمع السياسي.
تفتقر قضية إسرائيل ضد ابني إلى أي دليل موثوق، وتعتمد على شهادات قسرية لأطفال أدلوا بشهادات في المحكمة لاحقًا بأنهم تعرضوا للضرب والإيذاء، وأنهم لم يكونوا يعرفون شادي أصلًا. اعترف المحققون خلال جلسات المحكمة بافتقارهم للتدريب المتخصص في استجواب الأطفال، وتقصيرهم في تطبيق الضمانات القانونية الأساسية، معتمدين على الضغط الجسدي والنفسي.
على الرغم من هذا الظلم الصارخ، يواجه شادي عقوبة سجن لسنوات عديدة بتهمة مزعومة ينفيها باستمرار. في نظام يسوده العدل، لكانت التهم قد أُسقطت. لكن ابني يُجرّ إلى أتون نظام دولة عنصرية استعمارية، ومن المقرر أن يصدر القاضي حكمه في 15 فبراير.
تحوّل جذري
تشهد الأم التي يُسجن ابنها تحوّلاً جذرياً في علاقتها بالوقت. لم يعد جدولها الزمني يدور حول الفصول أو الأعياد أو الاحتفالات، بل حول تاريخ اعتقال ابنها، وجلسات المحكمة، وزيارات السجن، والمكالمات الهاتفية، وعدّ الأيام حتى اللقاء التالي. كل لحظة انتظار تُصبح امتداداً للألم؛ وكل رسالة من السجن تُصبح نفحة حياة مؤقتة تُتيح للوقت أن يمضي قدماً من جديد.
بالنسبة للطفل المسجون، يتشوه الزمن بشكلٍ أشدّ عنفًا. فالأسر – بما فيه الإقامة الجبرية – لا يقتصر على تقييد الحركة الجسدية فحسب، بل يُعيق نموه النفسي والاجتماعي لحظة الاحتجاز. تتحول الطفولة إلى ذكرى مؤجلة، وينهار الزمن في حلقة مفرغة من التكرار: الاعتقال، والاستجواب، والمحكمة، والطعام، والنوم، والزيارات الخاطفة.
تُشكّل هذه التجربة ما يُطلق عليه الباحثون “سلب الطفولة”، أي التجريد الممنهج للطفل من براءته وأمانه ومستقبله. شادي ليس الوحيد الذي يُعاني من هذا الواقع. ففي كل عام، تعتقل إسرائيل ما بين 500 و700 طفل فلسطيني بذريعة “الأمن”. لكن بدلًا من الأمن، تهدف هذه الاعتقالات المبكرة إلى ضرب المستقبل قبل الحاضر، وإعادة تشكيل المجتمع من خلال الخوف والإجبار على الامتثال.
قصة شادي جزء من نظام ممنهج يهدف إلى قمع شعب بأكمله من خلال استهداف أبسط حقوق الأطفال: الحق في الطفولة والتعليم والأمان.
الدفاع عن مستقبل الأطفال
على الرغم من ذلك، وبدعم من مدرسة الفرندز في رام الله، أكمل ابني امتحانات البكالوريا الدولية، ثم التحق بجامعة بيرزيت، حيث يدرس حاليًا في سنته الثانية تخصص التسويق الرقمي. رغم الخوف الذي يثقل قلوبنا، نكتشف كل يوم في شادي قوةً تُذهلنا، قوة تجلّت في ثباته أثناء اعتقاله واستجوابه وحبسه المنزلي.
ستواصل عائلتي النضال من أجل حقوق شادي. في مواجهة نظامٍ يعمل فيه المحقق والمدعي العام والقاضي كأدواتٍ للاحتلال الاستعماري، سنثابر في نضالنا من أجل العدالة والحرية وتفكيك هذه الآلة التي تسعى إلى تدمير طفولة الفلسطينيين.
إن الدفاع عن حقوق الأطفال وطفولتهم ومستقبلهم ليس مجرد قضية إنسانية، بل هو مبدأ سياسي أساسي يتطلب مواجهة مباشرة مع هياكل القمع. إن الوقوف إلى جانب شادي وجميع الأطفال الفلسطينيين المحتجزين واجبٌ إنساني.
************************************
رانيا إلياس مستشارة إدارية مستقلة في مجالات الفنون والتنمية الثقافية. وهي من سكان القدس، وتدرس حاليًا للحصول على درجة الماجستير في الدراسات الإسرائيلية في جامعة بيرزيت، وشغلت منصب مديرة مركز يبوس الثقافي من عام 1998 إلى عام 2022.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!