Skip to content

“لسنا زواراً لموقعً أثري بل أبناء سرٍّ حيّ”.. الكنيسة الأسقفية تُحيي حجّها السنوي في المغطس برسائلِ الصمودِ والوحدة

تاريخ النشر: يناير 31, 2026 12:29 ص
WhatsApp Image 2026-01-30 at 8.39.45 PM

ليلى قرقور- المغطس – ملح الأرض

في “أخفض بقعة على وجهَ الأرض” ولكن الأقرب إلى السماء، وتحديداً في موقع معمودية السيّد المسيح (المغطس)، أحيت الكنيسةُ الأسقفيةُ في القدسِ والشرق الأوسط، صباح يوم الجمعة 30 كانون الثاني/ يناير 2026، يوم الحجِ السنويّ، وسطَ حضورٍ جماهيريٍّ مَهيب من مختلف أنحاءِ المملكة.

وترأّسَ الخدمةُ الاحتفالية التي انطلقت في تمامِ الساعةِ العاشرة والنصف صباحاً، المطران حسام نعوم، رئيسُ أساقفة الكنيسة الأنغليكانية في القدس، والمطران الجديد عماد حدّاد، مطران الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في الأردن والأراضي المقدسة، والأرشيدياقون فائق حداد، ولفيف من رعاة الكنائس الأسقفية. وقد تمازجت في الأجواءِ أصواتَ التراتيلِ التي قدّمتها جوقة مدرسة الأهلية والمطران، مع إيقاعاتِ كشّافةِ ومرشدات اللاتين الشمالية (الزرقاء)، لتُشكّل لوحةً روحيةً ووطنيةً مُتكاملة.

في عِظةٍ حملت أبعادًا لاهوتيّةً عميقة، أكَّد المطرانُ حسام نعوم أنّ الحضورَ اليوم ليس مجرّد زيارةٍ تاريخيّة، بل هو “عودةٌ إلى الينبوع”.

وقال المطران في عظته: “نحن لسنا كزوار لموقعٍ تاريخي وأثري، ولا كحجاج يبحثونَ عن أثرِ الماضي، بل كأبناء سر حيّ ما زال يتدفّقُ منذُ اللّحظةِ الأولى التي انفتحت فيها السماوات فوق مياه الأردن. هنا بدأت العلنية الإلهية… وهنا وُضِعَ الأساسُ الروحي لكلّ ما نسمّيه كنيسة ورسالة”.

وأضاف متأمّلاً في سِرّ التجسُّد: “في هذا المكان، يتجلى منطقُ الله المختلف عن منطقِ العالم؛ هذا النزول والتجسّد ليسَ ضعفاً بل هو القوة بعينها. الله يختارُ أن يقيمَ الإنسانُ من الداخلِ، من العمقِ. الماءُ الذي يلامسُ جسدَ المسيح لا يغيرّه، بل هو الذي يغيّرُ الماء، ليحوّله من عنصرٍ طبيعيٍ إلى أداةِ نعمةٍ وطريقِ عبور من الخطيئةِ إلى البر”.

المطرانُ حسام نعوم

وفي تصريحاتٍ خاصّة لـ ملح الأرض، أجاب المطرانُ حسام نعوم عن سؤالٍ حول كيفيّةِ الحفاظ على المعموديّة حيّةً في ظلِّ تحدّياتِ الزمان وتيهانِ الهويّة.

وأوضح المطران: هناك نظرةٌ مغلوطة عن (المسيحيّ العادي) الذي يزورُ الكنيسة ثلاثَ مرّاتٍ في حياتِه فقط. المسيحيّ الحقيقيّ هو من يعيشُ نذورَ المعموديّة؛ يرفضُ الشرَّ، ويلتزمُ بالسيرِ مع المسيح.

ووجَّه رسالةً مباشرةً للشباب قائلًا عبر ملح الأرض: “يا شبابُ وصبايا، أنتم ملحُ هذه الأرض ونورُ العالم، وأبناءُ القيامة. دعوتي لكم: اثبتوا في أرضِكم، نادوا بإلهِكم، وافتخروا بإيمانِكم، لأن خلوَّ الأرض التي بدأت فيها رسالةُ المسيح من أهلِها ليس خسارةً فقط للمسيحيّين بل خسارةً للعالم أجمع”.

المطرانُ عماد حدّاد

ومن جانبِه، وفي حديثٍ خاصّ لــ ملح الأرض، ربط المطرانُ عماد حدّاد بين الحجِّ للمغطس والبحثِ عن القوّة في زمنِ الصعوبات، مستذكِرًا لجوءَ السيّد المسيح لهذا المكان عندما واجه الرفض.

وقال حدّاد: “اليوم هو رجوعٌ للبداية، لـ(رأس الينبوع) لنأخذَ القوّةَ وننطلق. الرجاءُ ليس شيئًا نحلمُ به، بل نعيشُه. رسالتي للشباب: تذكَّروا عهدَ معموديّتِكم، فالمسيحُ الذي نلبسُه هو قوّتُنا للمضيّ قدمًا. اقرأوا الواقع بعيونٍ عميقة ولا تكتفوا بقراءةِ الأحداث ظاهريًّا”.

وتنوَّعت المشاعرُ في الموقع، ففي لقاءٍ مع القسّ Mark LaChonce، أحدِ الرعاةِ الأجانب المقيمين في الأردن، عبَّر عن تأثُّرِه برمزيّةِ المكان الجغرافيّة.

قال مارك:  في لقاء مع مراسلة ملح الأرض التي تواجدت في الفعالية “قديمًا صعدَ الناسُ للجبال ليشعروا بالقربِ من الله، أمّا هنا، في أخفضِ نقطةٍ على وجهِ الأرض، نشعرُ بأنّ الله نزلَ إلينا، إلى قاعِنا، ليكونَ معنا. إنّه شرفٌ لي أن أرافقَ المجتمعَ المسيحيّ الأردنيّ في إيمانِهم هنا”.

وعلى صعيدِ المشاركةِ الشبابيّة، أكَّد القائدُ زيد عويس، القائدُ العامّ لمجموعةِ كشّافة ومرشدات اللاتين الشماليّة في الزرقاء، أنّ دورَ الكشّاف يتجاوزُ التنظيمَ والموسيقى.

وصرَّح عويس لـ ملح الأرض: نحن لا نُثبِت مشاركتَنا بالموسيقى فقط، بل بالصلاة أيضًا. وجودُنا اليوم مع الكنيسةِ الأسقفيّة بعد أن كنّا هنا مع مطرانيّةِ اللاتين، يدفعُنا لتفعيلِ دورِنا الروحيّ والخدميّ في مجتمعِنا المسيحيّ بشكلٍ أكبر.

وشهد الاحتفالُ مشهدًا مُميّزًا، حيث رحَّب المطرانُ نعوم بنظيره المطران عماد حدّاد، قائلًا: «تزدادُ بهجةُ هذا اليوم حين نختبرُه ككنيسةٍ واحدة، إذ نفرحُ بمشاركةِ إخوتِنا في الكنيسةِ اللوثريّة، ونباركُ تولّي المطران عماد حدّاد قيادتَها. إن اجتماعَنا عند نهرِ المعموديّة ليس صدفة، بل علامةٌ لاهوتيّة أنّ الكنيسة، رغم تنوّع تقاليدِها، تولدُ من ماءٍ واحدٍ وروحٍ واحد».

كما وجَّه المطرانُ شكره لغبطةِ البطريرك ثيوفيلوس الثالث والكنيسةِ الأرثوذكسيّةِ الشقيقة على «الضيافةِ الحبيبةِ والمباركة» في ديرِهم العامر.

ولم يخلُ الاحتفالُ من الرسائلِ الوطنيّة، حيث رفع المطرانُ نعوم باسم الكنيسة أسمى آياتِ التهنئة لجلالةِ الملك عبد الله الثاني بمناسبةِ عيدِ ميلادِه.

وقال المطران: “لقد جسَّدتم يا صاحبَ الجلالة نموذجَ القائدِ المسؤول الذي جمع بين الحكمةِ والبصيرة. ويفخرُ الأردنيّون، ومعهم العالم، بدورِكم التاريخيّ في حمايةِ المقدّسات من خلال الوصايةِ الهاشميّة التي تُمثِّلُ صونًا لهويّةِ القدس ودفاعًا عن الوضعِ التاريخيّ القائم”. كما ثمَّن جهودَ سموِّ الأمير غازي بن محمد وهيئةِ المغطس في الحفاظ على هذا المكان “كمساحةٍ مفتوحةٍ لكلّ من يطلبُ الله”.

المطران حسام نعوم

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment