Skip to content

عيد القيامة… موعد واحد وحسابات متعددة عبر القرون

تاريخ النشر: أبريل 6, 2026 11:16 ص
WhatsApp Image 2026-03-26 at 1.20.16 PM

ليث حبش ملح الارض

في حوارٍ موسّعٍ مع مجلّةِ ملح الأرض، يقدّمُ الباحثُ في اللاهوتِ الدكتور علاء عيد شرحًا تفصيليًّا للأسسِ التاريخيّةِ والكنسيّةِ التي اعتمدتْها الكنيسةُ في تحديدِ موعدِ عيدِ القيامةِ، موضّحًا الخلفيّاتِ التي تقفُ وراءَ اختلافِهِ أحيانًا بينَ الكنائسِ الشرقيّةِ والغربيّةِ، والعلاقةَ الوثيقةَ بينَ الفصحِ المسيحيِّ والفصحِ اليهوديِّ.

يبدأُ عيد حديثَهُ بالتأكيدِ على أنَّ الكنيسةَ، ومنذُ سنةِ 198 ميلاديّةً، وضعتْ مبدأً واضحًا يقضي بعدمِ الاحتفالِ بعيدِ الفصحِ المسيحيِّ بالتزامنِ مع الفصحِ اليهوديِّ، نظرًا لاختلافِ المعنى والرمزيّةِ بينَ العيدينِ. ويوضحُ أنَّ الفصحَ اليهوديَّ يرتبطُ بحدثٍ تاريخيٍّ تمثّلَ في عبورِ الشعبِ من أرضِ العبوديّةِ في مصرَ إلى أرضِ الحرّيّةِ، ومن هنا جاءتْ تسميتُهُ «Passover»، أي العبورُ.

أمّا في المفهومِ المسيحيِّ، فيرتبطُ الفصحُ بقيامةِ المسيحِ، التي تُفهمُ على أنّها عبورٌ من الموتِ إلى الحياةِ، إذ غلبَ المسيحُ الموتَ وفتحَ بابَ القيامةِ للبشريّةِ. ومن هنا، يرى عيد أنّ التشابهَ بينَ العيدينِ يكمنُ في مفهومِ «العبورِ»، لكنَّهُ يختلفُ جذريًّا في المضمونِ والغايةِ.

الدكتور علاء عيد: تحديدُ موعدِ عيدِ القيامةِ يجمعُ بينَ التاريخِ واللاهوتِ والحساباتِ الفلكيّةِ

ويشيرُ إلى أنَّ هذهِ المبادئَ تمَّ تثبيتُها بشكلٍ رسميٍّ خلالَ مجمعِ نيقيةَ، الذي انعقدَ بدعوةٍ من الإمبراطورِ قسطنطينَ الأوّلِ، بمشاركةِ عددٍ كبيرٍ من أساقفةِ الكنيسةِ، ومن بينهم شخصيّاتٌ بارزةٌ مثلُ أثناسيوسَ الرسوليِّ وبطريركِ الإسكندريّةِ ألكسندروس.

وخلالَ هذا المجمعِ، تمَّ الاتفاقُ على مجموعةٍ من الشروطِ الأساسيّةِ لتحديدِ موعدِ عيدِ القيامةِ، وهي شروطٌ لا تزالُ الكنيسةُ تعتمدُها حتى اليومِ. أوّلُ هذهِ الشروطِ أن يكونَ الاحتفالُ بعيدِ القيامةِ يومَ الأحدِ حصرًا، إذ لا يمكنُ أن يأتيَ في أيِّ يومٍ آخرَ من أيّامِ الأسبوعِ، وذلكَ لأنَّ المسيحَ قامَ من بينِ الأمواتِ يومَ الأحدِ، بعدَ أن صُلبَ يومَ الجمعةِ وبقيَ في القبرِ حتى اليومِ الثالثِ.

أمّا الشرطُ الثاني، فيقضي بضرورةِ أن يأتيَ عيدُ القيامةِ بعدَ الفصحِ اليهوديِّ، وذلكَ انسجامًا مع التسلسلِ الزمنيِّ للأحداثِ كما وردتْ في الأناجيلِ، حيثُ احتفلَ المسيحُ مع تلاميذِهِ بالفصحِ اليهوديِّ قبلَ آلامِهِ وصلبِهِ وقيامتهِ. ويستشهدُ عيد بقولِ المسيحِ: «اشتهيتُ أن آكلَ هذا الفصحَ معكم»، في إشارةٍ واضحةٍ إلى ارتباطِ الحدثينِ.

ويضيفُ أنَّ الكنيسةَ لا تكتفي بأن يأتيَ العيدُ بعدَ الفصحِ اليهوديِّ فقط، بل تشترطُ أيضًا عدمَ التزامنِ معهُ إطلاقًا، فإذا صادفَ أن جاءَ موعدُ عيدِ القيامةِ في نفسِ توقيتِ الفصحِ اليهوديِّ، يتمُّ تأجيلُهُ إلى الأحدِ الذي يليهِ.

أما الشرط الثالث، فهو أن يقع عيد القيامة بعد الاعتدال الربيعي، أي بعد تاريخ 21 آذار، وهو ما يربط العيد بفصل الربيع بشكل ثابت. ويشرح عيد أن الكنيسة اعتمدت في ذلك على عنصرين أساسيين: العنصر الشمسي المرتبط بالاعتدال الربيعي، والعنصر القمري مرتبط باكتمال القمر.

ويقول: “يتم تحديد موعد العيد وفق قاعدة واضحة، وهي أن يكون في أول أحد يلي اكتمال القمر (البدر) بعد الاعتدال الربيعي، مع الأخذ بعين الاعتبار شرط عدم تزامنه مع الفصح اليهودي”.

ويستشهدُ في هذا السياقِ بالنصِّ الكتابيِّ الواردِ في سفرِ المزاميرِ: «صنعَ القمرَ للمواقيتِ»، معتبرًا أنَّ القمرَ يلعبُ دورًا أساسيًّا في تحديدِ الأزمنةِ والاحتفالاتِ الكنسيّةِ، ويضيفُ أنَّ متابعةَ دورةِ القمرِ تساعدُ في معرفةِ توقيتِ اكتمالِهِ، وبالتالي تحديدِ بدايةِ الحسابِ الفصحيِّ.

وفيما يتعلّقُ بكيفيّةِ تطبيقِ هذهِ القواعدِ تاريخيًّا، يوضّحُ عيد أنَّ كنيسةَ الإسكندريّةِ كانتِ الجهةَ المسؤولةَ عن إجراءِ هذهِ الحساباتِ، نظرًا لتقدّمِها في علومِ الفلكِ منذُ العصورِ القديمةِ، وكانتْ تقومُ سنويًّا بإرسالِ ما يُعرفُ بـ«الرسائلِ الفصحيّةِ» إلى مختلفِ الكنائسِ، لتحديدِ موعدِ العيدِ بشكلٍ موحّدٍ.

أمّا في العصرِ الحديثِ، فقد تغيّرَ هذا الواقعُ بفضلِ التقدّمِ التكنولوجيِّ، حيثُ أصبحتِ الحساباتُ الفلكيّةُ متاحةً للجميعِ، ويمكنُ تحديدُ مواعيدِ عيدِ القيامةِ لسنواتٍ طويلةٍ مسبقًا دونَ الحاجةِ إلى جهةٍ مركزيّةٍ واحدةٍ.

وعن سببِ اختلافِ مواعيدِ عيدِ القيامةِ بينَ الكنائسِ الشرقيّةِ والغربيّةِ، يعودُ عيد إلى ما جرى في عامِ 1582، عندما قامَ البابا غريغوريوسُ الثالثُ عشرَ بإجراءِ إصلاحٍ على التقويمِ المعتمدِ آنذاك، وهو التقويمُ اليوليانيُّ.

الباحث في اللاهوت الدكتور علاء عيد

ويشرحُ أنَّ هذا التقويمَ كان يحتوي على خطأٍ بسيطٍ في حسابِ السنةِ الشمسيّةِ، حيثُ كان يُفترضُ أنَّ السنةَ تبلغُ 365 يومًا وربعَ اليومِ، بينما تبيّنَ لاحقًا أنَّ الحسابَ الأدقَّ هو 365 يومًا و5 ساعاتٍ و48 دقيقةً و46 ثانيةً، ما أدّى إلى فارقٍ سنويٍّ مقدارهُ 11 دقيقةً و14 ثانيةً.

ومع تراكمِ هذا الفارقِ عبرَ القرونِ، وصلَ الاختلافُ إلى نحوِ 10 أيّامٍ بحلولِ القرنِ السادسِ عشرَ، ما دفعَ البابا غريغوريوسَ الثالثَ عشرَ إلى اتخاذِ قرارٍ بإصلاحِ التقويمِ، فتمَّ حذفُ 10 أيّامٍ دفعةً واحدةً من شهرِ أكتوبرَ عامَ 1582، بحيثُ انتقلَ التاريخُ مباشرةً من الرابعِ إلى الخامسَ عشرَ من الشهرِ نفسهِ.

وقد أدّى هذا التعديلُ إلى اعتمادِ ما عُرفَ لاحقًا بالتقويمِ الغريغوريِّ، الذي أصبحَ معتمدًا عالميًّا، في حينِ استمرّتِ الكنائسُ الشرقيّةُ في استخدامِ التقويمِ اليوليانيِّ، ما أدّى إلى نشوءِ فارقٍ زمنيٍّ بينَ التقويمينِ.

ويضيفُ عيد أنَّ هذا الفارقَ لم يبقَ ثابتًا، بل ازدادَ مع مرورِ الزمنِ، حيثُ أصبحَ اليومَ 13 يومًا، ومن المتوقّعِ أن يصلَ إلى 14 يومًا بحلولِ عامِ 2100، وهو ما يفسّرُ استمرارَ الاختلافِ في مواعيدِ الأعيادِ بينَ الشرقِ والغربِ.

وفي ختامِ حديثِهِ، يتناولُ عيد العلاقةَ بينَ الفصحِ اليهوديِّ والفصحِ المسيحيِّ من منظورٍ لاهوتيٍّ، موضّحًا أنَّ الأعيادَ اليهوديّةَ تحملُ في كثيرٍ من الأحيانِ رموزًا تحقّقتْ في المسيحيّةِ. ويشيرُ إلى أنَّ الفصحَ اليهوديَّ، الذي ارتبطَ بذبيحةٍ ونجاةِ شعبٍ، يُنظرُ إليهِ في المسيحيّةِ كرمزٍ تحقّقَ في شخصِ المسيحِ، الذي يُوصَفُ بـ«حملِ اللهِ الرافعِ خطايا العالمِ».

ويؤكّدُ أنَّ المسيحَ احتفلَ بالفصحِ اليهوديِّ قبلَ آلامِهِ، ما يجعلُ الترتيبَ الزمنيَّ بينَ العيدينِ أمرًا جوهريًّا في فهمِ العقيدةِ المسيحيّةِ، ولذلك تُصرُّ الكنيسةُ على أن يأتيَ عيدُ القيامةِ بعدَ الفصحِ اليهوديِّ، التزامًا بالتسلسلِ التاريخيِّ واللاهوتيِّ للأحداثِ.

ويشدّدُ عيد على أنَّ عيدَ القيامةِ، بهذا المعنى، ليسَ مجرّدَ مناسبةٍ سنويّةٍ، بل هو حدثٌ مركزيٌّ في الإيمانِ المسيحيِّ، يجمعُ بينَ التاريخِ والخلاصِ والرمزيّةِ الروحيّةِ، ويعكسُ في توقيتِهِ دقّةَ الكنيسةِ في الحفاظِ على هذا التراثِ عبرَ القرونِ.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment