Skip to content
Skip to content

عندما تصبح “الإنسانيّة” مرادفًا للإبادة

تاريخ النشر: يوليو 22, 2025 1:01 م
page-3-samia-khoury-1-1684x2048

سامية خوري

عندما تُستخدم كلمة إنسانيّ لوصف أحد الفخاخ الإباديّة المنصوبة لأهالي غزّة، فلا بدَّ إذًا من تحديث قاموس “ويبستر”. حتّى الحمير -الوسيلة الأخيرة المُتبقّية للنقل في غزّة- باتَتْ تُسرقُ الآن من قِبل الاحتلال الإسرائيلي. ماذا تبقّى؟ ماذا بعد؟.

ربما أصبح العمى والصمم نعمةً في هذه الأيّام، لمن أراد أنْ يُعفى من مشاهدة مشاهد العذاب القادمة من غزّة. كيف للعالم أنْ يقفَ مُتفرِّجًا على الأطفال وهم يموتون جوعًا، بينما أطباق القادة العرب والإسرائيليّين والأمريكيّين والأوروبيّين تفيض بالطّعام، وهم يتباحثون في مصير غزّة، وفي نهاية المطاف، مصير المنطقة بأكملها؟

كان من بين وعود السيّد ترامب الانتخابيّة “إنهاء الحروب”. ولكن كلُّ خطوةٍ اتّخذها منذ ذلك الحين لم تُشِرْ سوى إلى تواطؤٍ واضحٍ مع مُخطّط إبادة غزّة. وللإهانة مزيد، أصبحَتِ الاحتجاجات تُعاقب وتُقمع. فإلى متى سيظلُّ المُجتمع الدّوليّ صامتًا دون أن يتحرَّك، بينما يموت الأطفال جوعًا؟.

تكفي ساعةٌ واحدةٌ من مُتابعة الأخبار لفهم حقيقة ما يجري والخطّة الشّيطانيّة المُمتدّة على مُستوى الشّرق الأوسط. وها هي سوريا أيضًا تدخل على الخط. هل سنستمرُّ في سماع الخُطب الرّنانة في الأمم المُتّحدة، ومُتابعة القِمم عديمة الجدوى، بينما النّاس يموتون؟ أم أنَّ المُجتمع الدّوليّ سيتحرَّكُ أخيرًا وفقًا لميثاقه وواجبه؟.


بينما كنتُ أستعدُّ لنشر هذه التأمُّلات، أرسلَتْ لي ابنتي هذه الكلمات من زميلٍ لها في غزّة. إنَّها تتحدَّث عن نفسها—وتكسر القلب.


الجوع أم الموت؟ أيُّهما أشدُّ رهبةً؟

أقف عاجزًا -واللهِ إنّي كذلك. أترنّحُ في ذهولٍ، مصعوقًا بالصّدمة.

كيف لعالمٍ بهذا الاتّساع -يطوي الأرض في طرفةِ عينٍ، يشطر الذَّرّة، ويُخترقُ السَّماوات- أنْ يعجز عن إنقاذ روحٍ تتضوّرُ جوعًا؟ كيف له أنْ يُدير هذا التّوازنُ الشّيطانيّ، مُبقيًا شعبًا بأكمله على الحافّة- لا يسقطهم، ولا يُنقذهم ولو نصفُ خطوةٍ؟.

هنا، يُترك شعبٌ بأكمله ليختار شكل موته: تمزيقًا بالقذائف، أو تفريغًا بالجوع، أو فناءً بمرضٍ لا دواء له.

في هذه المدينة السّرياليّة، النّاس تحتَ رحمة إطاراتٍ معدنيّةٍ تنتظرُ إحداثيّاتٍ تنهي مصيرهم. يأكلون الملح -إنْ وجد- دون خبزٍ. يمضغون الألم بدل الزّعتر والزّيت. يمشون ببطءٍ مُنهكٍ- لا لعبًا، بل إرهاقًا؛ لا فرحًا، بل حزنًا.

يتوهون كالتّائهين في دربٍ بلا لافتةٍ، كالعالقين في نفقٍ بلا نورٍ.

نعم، هم جائعون -لكن جوعهم ليس فقط في بطونهم. جوعهم في الأرواح المُجرّدة، في القلوب المطعونة بعمقٍ.

يموتون قبل أنْ تصلهم القذائف، جوعًا سبق الموت. لا يموتون لأنَّ الموت قد ناداهم، بل لأنَّ العالم أصمّ تجاه صرخاتهم.

ما هو أفظع من البطون الفارغة، هو الفراغ القيمي

يُسحقون بين مطرقة الصواريخ وسندان القدور الفارغة، يحملون أعباءً لا تستطيع الجبال احتمالها:
طفلٌ يصرخ من أجل حليبٍ،
أمٌّ تحلم بقبضةٍ من الفول،
جدٌّ يقضم ما قد تُنبت الحجارة،
وأبٌ يتمزّق وهو يفكِّرُ:
ما الوجبة الّتي قد تحمي أطفاله؟
هل سينفجر العالم قبل أن ينضج حساء العدس؟ أم بعده، حين يعبسون كعادتهم؟

الآن، بات الجوع يسخر منّا. يسخر بشدّةٍ. لم يكفه أنَّنا نأكل الفُتات—بل قدّم لنا “بدائل”: لحمٌ مزيّفٌ، حليبٌ مقلّدٌ، زيتٌ وهمي، ملحٌ مزوّرٌ. حتّى الماء له بديل. الكهرباء، البطاريّات، الشمس، المال، الدّفع الإلكترونيّ- جميعها صارت لها “نُسخ”.

حتّى الإنسان، بحثنا عن بديلٍ له. عن كائنٍ يستطيع تحمَّل هذا الجنون.

نطبخ الآن “وجباتٍ بديلةٍ”، نحاول أنْ نقنع أنفسنا أنَّ “النّكهة في الإيمان”، و*”الصّبر له طعمٌ حلوٌ”*.
لكن، حقًّا؟
هل يستطيعُ الإنسانُ أنْ يظلَّ إنسانًا وسط كلّ هذه البدائل؟
أكادُ أجزمُ: هذا يتطلَّب مخلوقًا جديدًا—يتجاوز حدود البشريّة.

لكن ما هو أفظعُ من البطون الفارغة، هو الفراغُ القيمي. عندما يضرب الجوع، تنهارُ الأخلاق. تنهار الإنسانيّة من الدّاخل.

رأيتُ ذلك:
ملاكٌ بالأمس، شيطانٌ اليوم- ينقضُّ على لحم أخيه من أجل كيس طحين.
سمعتُ قصصًا تُدمي القلب:
رجلٌ طعنَ ابن عمِّه من أجل حصّةٍ غذائيّةٍ.
رأيتُ بعيني كيف يمحو الجوع الإيمان، ويطوي القيم، ويُعيد تشكيل الإنسان- لا من طين، بل من مادة سوداء كريهة الرّائحة.

فأسأل نفسي: ما هذا الجنون؟
هل هو جوعٌ فقط؟ أم اختبارٌ لإنسانيّة العالم؟

كيف يُطهى الموت في مطابخ الضّمير العالميّ؟
كيف يُحاصر الأمل في رقعة أرضٍ بحجم عُلبة سردين؟

أعترفُ…
كتابةُ هذه الكلماتِ تشبهُ سحب خيوطٍ من روحٍ مُمزَّقةٍ.
ليسَ لفقرٍ في اللُّغة، ولا خيانةٍ في الحروف-
بل لأنَّ الجوع سرق منّي التّركيز، ورُبّما الإرادة.

لم يعد في القلب متّسعٌ للدّهشةِ،
ولا في العين دمعةٌ للحزنِ،
ولا في العقل مكرٌ للفهمِ.

كيف نشرحُ للعالمِ ما يحدث،
وقد مرّتْ إحدى وعشرون قمرًا، ولم يُبصِرْ؟
ما نوع الصّورة الّتي تحتاجُ كلَّ هذا التّحديق كي تُفهَم؟
هل هي فان غوخ مُشفّرة؟
أم سيمفونيّةٌ لبيتهوفن لا تُفهَمُ إلّا إذا عِشتَها؟
أم فلسفةُ نيتشه تحتاجُ قرونًا لتُفسِّر؟

عالمٌ يصعد إلى القمر كلَّ ساعةٍ،
يخترقُ المجرّات،
يلوي الزّمن…
ولا يستطيعُ توفير حليبٍ لطفل؟
آهٍ من سُخرية “البدائل”!

في غزّة، الجوع ليسَ غريزةً فقط.
إنَّه آلةُ حربٍ.
محنةُ روحٍ.
محكمةٌ أخلاقيّةٌ.

هل الجوع أرحم من القصف؟
هل الموت جوعًا أهون من الموتِ بشظايا؟

أكادُ أصدِّقُ أنَّ أمير الشّعراءِ أحمد شوقي كتبَ أبياته لنا نحنُ فقط، حين قال:

من حرب البسوس إلى هذا الغلاء القاسي،
يعود كل مرة كأنها سبع شدائد.
أليس في القوم يوسفٌ حكيم؟
يحسب الحساب ويُبصر الطريق؟
عبادُك، يا رب، جاعوا في مصر…
أعطيتهم النيل أم وهماً وسرابًا؟

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment