
السابق ضرورةُ زيادةِ الوعيِ والمشاركةِ الفعّالةِ في مناصرةِ المساواةِ في الإرثِ للمسيحيين- من نشرةِ ملح الأرض رقم 222

بقلم: جاك سارة
مترجم عن موقع Christian Daily International
لقد وُلدتُ في أرضٍ شكلت لغةُ الحربِ فيها أكثرُ معرفة من لغةِ السلام. ولدت في الأرضِ المقدسةِ – حيثُ ترددتْ رسالةُ السلامِ لأولِ مرةٍ من خلالِ كلماتِ المسيحِ – وما زلنا نعيشُ تحتَ ظلالِ الصراع.
طوال معظم حياتي، شهدتُ إيقاع العنف المتواصل: يتصاعد، ويدمر، ثم يعود مجدداً، تاركاً في كل مرة جراحاً أعمق في شعبنا وفي مستقبلنا. لقد أصبحت الحرب أمراً عادياً في منطقتنا، ولكن لا ينبغي أبداً أن تكون مقبولة.
بصفتي أباً، أجد نفسي أتساءل عن نوع العالم الذي سيرثه أبنائي. هل سينشؤون في سلام، أم سيحملون نفس المخاوف التي شكلت جيلي؟ وبصفتي راعياً، أنظر في عيون رعيتي فأرى إيماناً عميقاً وقلقاً مكتوماً.
وبصفتي رئيسًا لكلية مسيحية، أحمل آمال شباب وشابات لا يحلمون بالبقاء فحسب، بل بالكرامة، والغاية في الحياة ومستقبل خالٍ من الحرب.
وأنا أقف في هذا المكان المقدس لمليارات البشر، والذي لا يزال يحمل ندوب الصراع، أجد نفسي أعيش بين واقعين: الألم الذي شهدته طوال حياتي، ورؤية السلام التي غرسها الله في قلبي. أرفض أن أقبل بأن العنف هو قدرنا. لم نُخلق للحرب، بل خُلقنا للسلام.
في مثل هذه الأوقات، حين يملأ صدى الحرب أخبارنا وشوارعنا وحتى صلواتنا، نجد أنفسنا مضطرين للتساؤل: ما هو حال الله وسط هذا الكمّ من المعاناة؟ بصفتنا رعاة وقادة وأتباعًا للمسيح، لا يسعنا السكوت. فالحرب ليست مجرد واقع سياسي، بل هي أزمة روحية عميقة تُدمّر نسيج خليقة الله.
الحرب لا تُفرّق بين البريء والمذنب، ولا تسأل من هو الصالح ومن هو الباطل، ولا تُستثنى منها الأطفال، ولا تحمي كبار السن، ولا تُقدّس البيوت، ولا تحترم الأماكن المقدسة.
في منطقتنا، شهدنا الحقيقة المُرّة: كنائس في غزة مُدمّرة، ومساجد مُستهدفة. . الحرب تلتهم كل شيء في طريقها، ولا تُخلّف وراءها سوى الركام، والصدمات النفسية، والمرارة، وأجيالاً مُثقلة بالألم.
يُعلن صاحب المزامير: «الرب قريب من المنكسري القلوب، ويُخلّص المنسحقي الروح» ( مزمور ٣٤: ١٨ ). اليوم، قلوبٌ لا تُحصى مُكسّرة، وعائلاتٌ مُشتّتة، ومجتمعاتٌ تعيش في خوف. ومع ذلك، حتى في هذا الظلام، يبقى الله قريبًا . يرى كل دمعة، ويسمع كل صرخة، ويمسك بكل نفسٍ بين يديه.
لكن يجب أن نكون صادقين أيضًا: عواقب الحرب تتجاوز الدمار المباشر. الحرب تُعيد تشكيل المستقبل، وتسلب الأطفال براءتهم وتُبدّلها بالخوف، وتُشلّ الاقتصادات، وتُفتّت المجتمعات، وتزرع بذور الكراهية التي قد تستمر لأجيال.
كما يذكرنا النبي إشعياء: “ويلٌ لمن يقولون للشر خيراً وللخير شراً” ( إشعياء ٥: ٢٠ ). عندما يصبح العنف أمراً عادياً، وعندما يُبرَّر الدمار، نفقد بوصلتنا الأخلاقية ونبتعد أكثر فأكثر عن رؤية الله لعالمه.
لطالما كانت رغبة الله السلام. منذ البداية، أراد أن تعيش البشرية في وئام معه، ومع بعضها البعض، ومع الخليقة. إن كلمة “شالوم” العبرية لا تعني مجرد غياب الحرب، بل تعني وجود الكمال والعدل والازدهار. هذه هي رؤية ملكوت الله.
يرسم النبي ميخا هذه الصورة ببراعة: “فيطبعون سيوفهم سككًا، ورماحهم مناجل. لا ترفع أمة على أمة سيفًا، ولا يتعلمون الحرب فيما بعد” ( ميخا 4: 3 ). ليس هذا حلمًا بعيد المنال، بل هو مستقبل الله المعلن. وبصفتنا شعبه، فنحن مدعوون لنكون شهودًا على هذا المستقبل في الحاضر.
يؤكد يسوع نفسه هذه الدعوة في الموعظة على الجبل: “طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون” ( متى 5: 9 ). لاحظ أن يسوع لم يقل “محبي السلام” بل “صانعي السلام”. إنها دعوة فعّالة تتطلب شجاعة وتواضعًا وتضحية.
ليس من السهل أن تكون صانع سلام في زمن الحرب. فمن الأسهل بكثير الانحياز لأحد الأطراف، أو تبرير العنف، أو التزام الصمت. لكن الإنجيل يدعونا إلى مستوى أسمى.
يحثنا الرسول بولس قائلاً: “إن أمكن، فبحسب طاقتكم، عيشوا بسلام مع جميع الناس” ( رومية ١٢: ١٨ ). هذا لا يعني تجاهل الظلم، بل مواجهته دون الاستسلام للكراهية.
كمسيحيين في هذه الأرض، نحن في وضع فريد – ونواجه تحديًا فريدًا – لتجسيد هذه الرسالة. نعيش في ظل صراع، ومع ذلك فنحن مدعوون لنكون سفراء للمصالحة. “الله… صالحنا مع نفسه بالمسيح، وأعطانا خدمة المصالحة” ( كورنثوس الثانية ٥: ١٨ ).
لذلك، يجب علينا اتخاذ موقف واضح وصادق
* نحن نقف ضد نزع الإنسانية الذي تجلبه الحرب. كل إنسان – بغض النظر عن جنسيته أو دينه أو خلفيته – مخلوق على صورة الله.
* نحن نقف ضد إزهاق الأرواح وتدنيس الأماكن المقدسة. ينبغي أن تكون أماكن العبادة – الكنائس والمساجد والمعابد – ملاذات للسلام، لا أهدافاً للعنف.
* نحن نعارض تطبيع الحرب كحل. قد تعد الحرب بالأمن، لكنها تجلب المعاناة.
* ونحن ندافع عن السلام – ليس سلاماً هشاً أو سطحياً، بل سلاماً عادلاً ودائماً متجذراً في الحقيقة والكرامة والاعتراف المتبادل.
لكن كيف نرد؟
إلى ذلك اليوم، نبقى أوفياء. في عالمٍ تمزقه الحروب، ليتنا نُعرف كأهل سلام.
*********************************************************

القس الدكتور جاك ساره هو رئيس كلية بيت لحم للكتاب المقدس . وُلد جاك ونشأ في البلدة القديمة بالقدس، ودرس في كلية بيت لحم للكتاب المقدس بعد أن كرّس حياته للمسيح وتعاليمه. جاك قس مُرَسَّم في كنيسة التحالف الإنجيلي في الأراضي المقدسة، حيث لا يزال يُشرف على قيادة الكنائس. وهو الأمين العام للتحالف الإنجيلي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ويعمل على نطاق واسع في مجالات السلام والمصالحة.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!