
السابق Tourism Hopes Ride High on New Minister Imad Hijazin’s Shoulders
ننشر فيما يلي صلاة خلال خدمة للصلاة في الكنيسة اللوثرية في رام الله رام الله 7-8-2025 للقسيس د. منذر اسحق
أيها الأحباء، غزة تموت تجويعًا. لعلّها واحدة من أسوأ لحظات تاريخ البشريّة. لحظة تُرتكب فيها إبادة جماعية، على الهواء مباشرة، أمام أنظار العالم. نشاهد الأطفال وهم يموتون جوعًا. نرى العائلات تُدفن تحت الأنقاض. نشعر بالعجز – غير قادرين على إيقاف آلة الموت والحرمان. هذه هي الإنسانية في أدنى مستوياتها: عندما يجوِّع الأقوياءُ الأطفالَ ويبرّرون ذلك، بل وينكرونه.
اختلط خبز غزة بدماء الشهداء الذين يُقتلون وهم ينتظرون المعونات، يسيرون عشرات الكيلو مترات تحت حرارة الشمس في رفح، يترّجون كيسًا من الطحين أو المعكرونة، وحرفيًّا يبحثون عن فتات الأكياس بين رمال رفح المقدسة. أهذا خبز حياةٍ، أو موت؟
حتى الآن، رغم وضوح الأدلة لكل من له عينان تبصران، لا يزال الإعلاميون والسياسيون يتناقشون: هل يمكننا أن نستخدم كلمة “إبادة جماعية”؟ بل حتى الكنيسة تتناقش. الكنيسة اللوثريّة في أمريكا أعلنت أنّها إبادة جماعيّة، حيث كان هناك رسالة واضحة وصريحة من سيادة المطران، قرأها المطران المنتخب، وكنائس أخرى في الأسابيع القليلة الماضية. قالوا ما قُلناه في الأسابيع الأولى. إن إنكار الإبادة الجماعية ليس مجرد اعتداء على الحقيقة – بل هو اعتداء على إنسانيتنا كفلسطينيين، وعلى الضمير الأخلاقي للعالم بأسره.
أصدقائي، هذه الإبادة تكشف ما هو أكثر من وحشية آلة الحرب – إنها تكشف انهيار منظومة كاملة. القانون الدولي، الاتفاقيات الخاصة بحقوق الإنسان، محاكم الدول – كانت هذه أدوات نأمل أن تحمي الضعفاء من وحشيّة الامبراطوريّات. كانت تهدف إلى حماية الضعفاء. لكنها اليوم تظهر على حقيقتها: هشة، مختَرَقة، أو مُسَيَّسة. لقد فشلت. فشلت بحقّ أطفال غزة. فشلت بحقّ الأبرياء.
وهنا في الضفة، أصبحنا كلنّا، وخاصة أهلنا في القرى وفي النقب المحتلّ، عرضة لإرهاب المستوطنين، الذين يعربدون ويعتدون ويقلعون الأشجار ويقتلون وليس من يحامي، وليس من يُحاسب. رأينا ما حصل في كفر مالك وغيرها، وما يحصل في الطيبة. أصبحنا نعيشُ في حالة خوفٍ مستمر. هو إرهاب بكلّ معنى الكلمة – إرهاب دولة، لا مجموعة من المتطرّفين كما يدّعي البعض. إنها مؤسسة عنصريّة بامتياز.
لم يكتفِ العالم بالتخلّي عن أطفال غزة – بل أصبح من يتجرأ على قول الحقيقة يتعرض للعقاب. الولايات المتحدة – التي تُقدّم نفسها على أنها حامية الحرية والقانون – هدّدت وعاقبت من يسعون لتحقيق العدالة، والدول التي تدّعي أنها متحضّرة تعتقل من يتظاهر لوقف الإبادة. هذا هو انهيار النظام الأخلاقي – حينما لم يعد القانون يحمي الضحايا، بل يحمي الجناة. حينما يصبح السعي إلى العدالة عملاً يُعاقب عليه. وبالأيام القليلة الماضية زار السّياسيّون الأمريكيّون المستوطنات ليفّروا غطاءً لإرهاب المستوطنين. أتمنّى ألا تكون قد صدّقنا مسرحية زيارة السفير الصهيوني إلى قرية الطيبة وما أعرب عنه من قلقٍ وإدانة، فهو ذاته من زار ذات المستوطنين الذين أدانهم بعد أيامٍ قليلة من إدانته لهم. والمخجل لنا كمسيحيين أنّ بعض هؤلاء السياسييّن الأمريكان ينتمون إلى كنائس أصوليّة. أقول مخجل، لأنهم قطعًا لا يمثلون الإيمان المسيحيّ على حقيقيته.
ولنا كمؤسسة دينيّة: ما يحصل في فلسطين إدانة – إدانة للمؤسسات الدينية التي نحبّها ونخدمها. مسيحيون، يهود، مسلمون – كلنا نتحمل جزءًا من المسؤولية. الدين أصبح جزءًا من المشكلة. نقتل ونتنازع باسم الله والدين. نعطي أنفسنا حقوقًا على حساب قريبنا باسم الله والدين. الكثيرون، يهودًا ومسلمون ومسيحيّون، صمتوا وبرّروا ولم يصنعوا ما يجب. لم يقولوا كلمة حقّ. آن الأوان كي يتحوّل إيماننا إلى وسيلة لصنع السلام وتحقيق العدل. في الوقت ذاته، نثمّن جهود العديدين من كلّ الأديان لوقف الإبادة، وأخصّص بهذه المناسبة جهود رؤساء الكنائس في إسناد صمود أهلنا في غزة، خاصة في كنائس غزة وسط هذه العدوان البشع.
كمسيحيّين، نحن نؤمن أنّ مخلصنا وُلد تحت الاحتلال، وشُرّد كلاجئ، وأُعدم على يد إمبراطورية. إن لم يكن لإنجيلنا كلمة لغزة، فهو ليس إنجيل يسوع المسيح. لقد فشلنا في حماية الأضعف. لم نفعل ما يكفي. حتى توقفنا عن الصلاة! أصبحت الإبادة أمرًا طبيعيًّا.
كنت في زيارة لعدة دول في الأيام التي مضت، واجتمعت مع قيادات كنسيّة ودينيّة. ومن جملة ما قلته لقادة الكنائس الغربيّة، هو أن قضيّة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات لم تعد موضع نقاش. إنها واجب أخلاقي. لا يمكننا تطبيع الإبادة. المقاطعة خيار أخلاقي إيمانيّ. بها نغلبُ الشرّ بالخير، كما يُعلّم الكتاب المقدس. على الكنيسة أن تكون أول من يطالب بفرض العقوبات على إسرائيل، ومقاطعة شاملة، تشمل حظر السلاح. عزل إسرائيل هو أداة لتطبيق القانون الدولي وصون حقوق الإنسان. بدونها، ينتصر منطق الإمبراطورية، وتصبح “القوة هي الحق” هي الكلمة الأخيرة. وعلينا أيضًا المطالبة بمحاسبة مجرمي الحرب. تسميتهم. مقاطعتهم. التنديد عندما يتم تكريمهم في الكونغرس. نحن لا نطلب من الكنيسة في الغرب أن تٌمجّد صمودنا من بعيد، والصلاة دون عمل لا تكفي اليوم، ونشكر كنائس النرويج والعالم التي اتحدت معنا اليوم في قرع الأجراس. نحن نطلب منها أن تتحرك لحمايتنا ووقف الإبادة. لا نريد بيانات استنكار أو تعاطف، بل مواقف إيمانيّة تتُرجم إلى أفعال بالضغط على أصحاب القرار.
ولنا اليوم: نعم، نشعر بالعجز، والشعور بالعجز يقهر. لسان حالنا ما صلاة المزمور: يا ربُّ، لِماذا تَقِفُ بعيدا؟ لماذا تَتوارى في وقتِ الضِّيقِ؟ الشعب: الشِّرِّيرُ يَتباهى ويَظلِمُ المِسكينَ. يشمَخُ بِأَنفِهِ ولا يسألُ عَنِ اللهِ، وفي كَيدِهِ يقولُ: لا إلهَ. قُمْ يا ربُّ وارفعْ يَدَكَ. يا اللهُ لا تَنسَ المَساكينَ. إِسمَعْ آهاتِ المَساكينِ وقَوِّ قُلوبَهُم يا ربُّ. أصغِ بأذُنِكَ يا اللهُ.
أحبائي، لا يمكن أن تسير حياتنا بشكلٍ طبيعيّ وسط الإبادة. أضعف الإيمان هو التضامن. المشاركة. الصلاة. الدعاء. قد نشعر أنّ الصلاة هي من باب الإفلاس. وكأن لا معين لنا سوى الله. إلا نشعر هكذا اليوم؟ ألا نشعر أنّ لا حول لنا ولا قوّة إلا بالله؟ فرغم حراك الشوارع، وقرارات بعض الدول بالاعتراف بفلسطين، نشعر أننا متروكون للموت والهلاك. لكن صدقوني، الله يرى معاناتنا. هو قريبٌ من المنكسري القلوب. يسمع الصراخ، ويتألم مع المقهورين. فصلاتنا اليوم مقاومة. تحدٍّ. بها نعلن للعالم والله، أننا لن نقبل الظلم واقعًا، نرفض حتميّة انتصار الشرّ، وأننا لن نهدأ على أن نرى العدل في أرضنا، إلى أن نرى الْحَقَّ يجري كَالْمِيَاهِ، وَالْبِرَّ كَنَهْرٍ دَائِمٍ.
قلت أنّنا نشعر أنّ لا أحد لنا سوى الله، ولكن لنا أنفسنا أيضًا. هذا ليس وقتًا للتباكي، بل للعمل. ليكن حزننا ورثاؤنا دافعًا لنعمل المزيد، بروح الإيمان والصلاة. يجب ألا نسمح أن تذهب دماء شهداؤنا سدىً، فدماء أطفال غزة تستصرخنا اليوم. دعونا نقاوم مخطّط التهجير الذي نواجهه في كلّ فلسطين التاريخية. هم لا يريدوننا هنا. وجودنا مقاومة. بناؤنا مقاومنا. بقاؤنا وصمودنا مقاومة. ووحدتنا صمود ومقاومة. رسالتنا إلى قياداتنا السياسية والوطنية والفصائلية: كفى نزاعًا، وانقسامًا وتحزّبيّة. وليكن اليوم عهدنا لذواتنا أن نعمل من أجل الإنسان الفلسطينيّ وكرامته، ومن أجل الوحدة والبناء. لن يزول هذا الاحتلال ولن ينتهي الأبارثايد إلا بوحدتنا وتساندنا. هناك الكثير لنقوم به من الآن بالمناصرة الدولية، واستثمار الحراك العالمي غير المسبوق، وبتجسيد المقاطعة لمنتجات الاحتلال الملطخة بدماء أطفالنا، ببناء مؤسسات دولتنا المستقبليّة. بإعلاء ثقافة الحياة، لأننا شعب يحبّ الحياة.
أيها الأحباء، اليوم نوجّه رسالة لأهلنا في غزة. كلّنا معكم. كلّنا مقهورون. سامحونا أننا خذلناكم. لكن تأكدوا أنكم اليوم بصمودكم وشجاعتكم قلبتم الطاولة على جلّادكم. لقد غيّرتم العالم وهززتم عروش قادتهم، وإن كان الثمن عاليًا وغاليًا جدًا. وتأكدوا، أنتم أكثر كرامة وأعلى قدرًا وإنسانيّة من كلّ من تآمر عليكم وتعامل معكم بعنصريّة وتفوّق. أنتم في قلوبنا، سامحونا لأن حراكنا في الضفة خجول بالمقارنة بحجم التضحية التي تقدمونها. سامحونا لأننا ما زلنا غير متوحدين كشعب فلسطينيّ، حتى في ظلّ حرب الإبادة.
ستنهض غزة. وسنبنيها معًا من جديد. سينتهي الفصل العنصري والاحتلال. سننهض من وسط الركام. لن نفقد إيماننا بالله، إله العدل والحقّ والبرّ. دائمًا نقول: الله يتضامن دائمًا مع المقهورين والمتألمين. الله ينحاز مع الحق. الله ينحاز مع المظلوم. ولنا إيمانٌ، في أرض القيامة، أن منتظرو الربّ هم من سيرثون الأرض، لا من ينكرونه بأفعال الموت. لنا الإيمان أن الودعاء سيرثون الأرض، لا المستبدون الذي يعتمدون على أسلحة العنف. لنا إيمان أن الجياع والعطاش إلى البرّ سيشبعون، وأن الحزانى سيتعّزون.
نضع رجائنا اليوم في الله. ونصلّي اليوم، وصلاتنا هي سلاحنا، أن يفسد الله مؤامرة الشعوب ضد غزة، وتتوقف هذه الحرب. تدخّل يا ربّ من علاك. “ليتك تشقّ السموات وتنزل.” كفى تجويعًا. كفى لآلة الحرب. كفى للدمار. غزة تصرخ إليك اليوم. أنت قُلت، طوبى للجياع والعطاش إلى البرّ، لأنهم يُشبعون. ألا تُشبع غزة اليوم يا ربّ؟
تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!