Skip to content

شخصيّاتٌ مسيحيّةٌ أردنية لـ ملح الأرض: بين التَّصعيد الإيراني ومخاوف الحرب الشّاملة… السّلام يبقى الخيار الأخلاقي

تاريخ النشر: مارس 5, 2026 11:47 ص
سقوط أجزاء من صواريخ إيرانية على الأراضي الأردنية

سقوط أجزاء من صواريخ إيرانية على الأراضي الأردنية

ليث حبش – ملح الأرض

في ظلِّ التَّصعيد الإقليميِّ المتسارع، وما تشهدهُ المنطقة من توتّراتٍ عسكريّةٍ مرتبطةٍ بالدَّور الإيراني وتحرّكاته المباشرة وغير المباشرة في أكثر من ساحة، تتزايد المخاوف من انزلاق الأوضاع نحو مواجهةٍ أوسع قد تطال دولًا عدّة، وتنعكس آثارها على الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط بأكمله. ومع استمرار تداعيات الحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023 وتستمر تباعياتها لغاية الآن، لم تعد الأزمة محصورةً في جغرافيا محدّدة، بل باتت مفتوحةً على احتمالاتٍ سياسيّةٍ وعسكريّةٍ معقّدة، تُثير قلق المجتمعات المحليّة، ومنها المجتمع المسيحي في الأردن.

في هذا السِّياق، استطلعت “ملح الأرض” آراء عددٍ من القيادات الدينيّة والشخصيّات الأكاديميّة والقانونيّة المسيحيّة حول انعكاسات الوضع الرَّاهن، ولا سيّما في ظلّ ما يُتداول عن أدوارٍ إقليميّةٍ متصاعدةٍ لإيران وتأثيرها على موازين القوى، فجاءت المواقف محمَّلةً بالدعوة إلى السّلام، والتَّحذير من تصاعد التطرّف، والتأكيد على حماية الإنسان والوطن كأولويّةٍ لا تقبل المساومة.

المطران وليم الشوملي: الحرب استمراريّة لمعاناةٍ لم تتوقّف

أكّد المطران وليم الشوملي نائب البطريرك اللاتيني العام لـ ملح الأرض أنّ ما يعيشه الفلسطينيّون اليوم، بمختلف مكوّناتهم، هو امتدادٌ لحربٍ طويلةٍ لم تتوقّف فعليًّا منذ السابع من أكتوبر 2023. وأوضح أنّ الحرب الحاليّة ليست حدثًا منفصلًا، بل حلقةٌ جديدةٌ في سلسلةٍ من التَّداعيات السياسيّة والأمنيّة التي ألقت بظلالها الثقيلة على المجتمع الفلسطيني، مشيرًا إلى أنّ أبرز هذه التَّداعيات تتمثّل في تفاقم معدّلات الفقر والبطالة، إلى جانب تعاظم مشاعر الخوف من المستقبل.

وبيّن أنّ استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني ينعكس بشكلٍ مباشر على الحياة اليوميّة للناس، ويعمّق الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، ما يجعل المواطن الفلسطيني في حالة استنزافٍ دائم، نفسيًّا ومادّيًا.

الأب بسّام شحاتيت: التَّعاليمُ المسيحيّةُ ترفضُ الحربَ وتدعو إلى السَّلام

أكّد الأرشمندريت الدكتور بسّام شحاتيت، النائبُ الأسقفيُّ العامُّ للروم الكاثوليك، في تصريحٍ لـ ملح الأرض أنّ الموقفَ المسيحيَّ من الحروب والعنف يستندُ إلى تعاليمِ الكتابِ المقدّس ورسالةِ السيّد المسيح التي تقومُ على السَّلام والمحبّة والرَّحمة. وأوضح أنّ المسيحيّة تقفُ ضدَّ الحرب والقتل والتشريد والعنف، وتشدّد على الدّفاع عن كرامة الإنسان دون أيّ تمييز، لأنّ جميع البشر متساوون أمام الله، ولا يمكن تبرير الاعتداء على الإنسان بسبب الاختلاف.

وأشار إلى أنّ حلَّ النّزاعات لا يكون بلغة القوّة والسلاح أو بمنطق السَّيطرة والسّلطة، بل عبر الحوار والتفاهم والسَّعي إلى سلامٍ عادل يحقّق الاستقرار، خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط التي تعاني من أزماتٍ متواصلة. وأضاف أنّ الرّسالة المسيحيّة الحقيقيّة تقوم على الخدمة والتواضع وصناعة السَّلام، مستشهدًا بقول السيّد المسيح: “طوبى لصانعي السَّلام لأنّهم أبناءُ الله يُدعون”.

وحذّر الأب شحاتيت من استغلال الدّين لتبرير المصالح السياسيّة أو نشر خطاب الكراهية، مؤكّدًا أنّ الرّدَّ على الشّر يجب أن يكون بالخير لكسر دائرة العنف. وختم بالدّعاء أن تتوقّف الحروب وأن يعمَّ السَّلام والعدل في المنطقة، وأن يحفظ الله الأردن وقيادته ويديم عليه نعمة الأمن والاستقرار.

الأب بولس حدّاد: الحرب عملٌ مدمّر… والسّلام طريق الله

من جانبه، شدّد الأرشمندريت بولس حداد، كاهن في مطرانية الروم الملكيين الكاثوليك في الأردن، ويشغل منصب راعي كنيسة القديس جاورجيوس (مار جرجس) في الفحيصعلى أنّ الموقف الكنسي واضحٌ في دعوته إلى السّلام، مؤكّدًا الوقوف إلى جانب الكنيسة وصوت قداسة البابا لاون الرَّابع عشر في بثّ السّلام والأمن بين الشّعوب، لا سيّما في منطقة الشرق الأوسط.

وقال في تصريحه لـ ملح الأرض: إنّ من يؤيّد الحرب إنّما يدعم مسارًا مدمّرًا، بينما من يدعو إلى السّلام والاستقرار إنّما يسير في طريق الله الذي لا يريد إلّا المحبّة في قلوب الجميع.

وأكّد أنّ العودة إلى طاولة الحوار باتت ضرورةً ملحّة، خصوصًا في هذه المرحلة الحسّاسة التي تمرّ بها المنطقة والعالم، مشدّدًا على أنّ العنف لا يولّد إلّا العنف، وأنّ الحروب لا تخلّف سوى الدمار والمآسي.

بسمة سلايطة: لا حياد حين تُمسّ سيادة الوطن

أمّا الناشطة وعضو مجلس سابق في بلدية مأدبا بسمة سلايطة، فربطت موقفها بين الثوابت الوطنيّة والبُعد الأخلاقي، مؤكّدةً وقوفها إلى جانب أمن الأردن واستقراره وخلف القيادة الهاشميّة في كلّ ما يصون كرامة الوطن ويحفظ سيادته.

وأوضحت في حديثها لـ ملح الأرض أنّ الأمور تختلف حين تُمسّ سيادة الوطن أو يتمّ تجاوز الخطوط التي تحمي أرضه وسماءه وحقّ أهله في الأمن والغذاء والعيش الكريم. وقالت إنّ الصمت لم يعد خيارًا في مثل هذه اللحظات، فالكلمة تصبح مسؤوليّة، والموقف واجبًا، مشدّدةً على أنّه لا حياد حين يتعلّق الأمر بأمن الأردن وأخلاقيّاته الوطنيّة. وختمت بالدعاء بأن يحفظ الله الأردن، قيادةً وشعبًا وأرضًا، وأن يحمي الدول العربيّة الشقيقة من كلّ سوء.

ماهر أبو ليل: الكنيسة شاهدةٌ للرَّجاء وسط الألم

بدوره، أكّد ماهر أبو ليل المدير الاقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للتحالف الإنجيلي العالمي، أنّ رسالة المسيحيّين في أوقات الأزمات تتمثّل في صنع السّلام وبثّ الأمل، مشيرًا إلى أنّ الحروب تترك جراحًا عميقة، لا سيّما لدى الأطفال والعائلات والأشخاص الأكثر ضعفًا. وقال لـ ملح الأرض إنّ الكنيسة والمجتمع المسيحي يسعيان لأن يكونا قريبين من المتألّمين، عبر تقديم الدَّعم الرُّوحي والإنساني، وتعزيز قيم المحبّة والمصالحة والكرامة الإنسانيّة.

وأضاف أنّ الصَّلاة من أجل وقف دوّامة العنف هي جزءٌ من الالتزام الإيماني، إلى جانب الدعوة إلى أن يرشد الله القادة والشعوب إلى طرق السّلام والعدل، مؤكّدًا أنّ الكنيسة، مهما اشتدّت التحدّيات، مطالبةٌ بأن تبقى شاهدةً للرَّجاء ورسالةً للمحبّة والغفران.

هيثم عريفج: مخاطر توسّع الصراع وإعادة رسم خرائط المنطقة

من جهته، قدّم المحامي الدكتور هيثم عريفج قراءةً سياسيّةً وقانونيّةً موسّعةً لتداعيات الحرب، معتبرًا أنّها ستؤثّر على المنطقة اقتصاديًّا واجتماعيًّا وفكريًّا، وقد تُسهم في توسيع أطر التطرّف وتعزيز خطاباته. وأشار في تصريحه لـ ملح الأرض إلى أنّ أيّ تصعيدٍ إضافي، خاصّةً في ظلّ تنامي الدَّور الإيراني في الصراع، قد يدفع باتجاه مرحلةٍ أكثر تعقيدًا، وربّما يفتح الباب أمام مواجهاتٍ ذات طابعٍ أيديولوجيّ أو دينيّ، وهو ما ستكون له انعكاساتٌ مباشرةٌ على الدول العربيّة، وفي مقدّمتها الأردن.

ولفت إلى أنّ تغيّر موازين القوى الإقليميّة قد يؤدّي إلى إعادة تشكيل خرائط النّفوذ في المنطقة، بما ينعكس على دولٍ مثل سوريا والعراق، ويؤثّر كذلك على القضيّة الفلسطينيّة، بما في ذلك واقع المسيحيّين الفلسطينيّين الذين يعانون أصلًا من موجات هجرةٍ متزايدة. كما حذّر من تداعياتٍ اقتصاديّةٍ مباشرة، مثل ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخّم، مشيرًا إلى أنّ هذه الظروف قد تدفع المزيد من المسيحيّين إلى التفكير في الهجرة بحثًا عن بيئةٍ أكثر استقرارًا.

ما بين الدَّعوة الرُّوحيّة للسّلام، والتأكيد على الثوابت الوطنيّة، والتَّحذير من تداعياتٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ خطيرة، تتقاطع مواقف الشخصيّات المسيحيّة التي استطلعتها ملح الأرض عند نقطةٍ جوهريّة: الحرب ليست قدرًا محتومًا، بل خيارًا سياسيًّا يدفع ثمنه الإنسان أوّلًا. وفي وقتٍ تتعالى فيه أصوات السِّلاح، يبقى الصوت المسيحي – كما عبّر عنه المتحدّثون – متمسّكًا بثلاثيّةٍ واضحة: السّلام، الكرامة الإنسانيّة، وحماية الأوطان من الانزلاق إلى فوضى لا تُبقي ولا تذر.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment