
السابق المفكّرُ اللبناني هنري عون يدعو للشفافيةِ والحوكمةِ في كنائسِ الشرق الاوسط بما فيها الإنجيليّة

بقلم رلى سماعين مترجم وبموافقة من مجلة anovia.jo
في رِحابِ الإيمانِ الهادئةِ، تحملُ بعضُ المناظرِ الطبيعيّةِ ثِقَلًا روحيًّا يتجاوزُ الحدودَ والقرونَ، والأردنُ أحدُ تلكَ الأماكنِ التي لا تقتصرُ فيها الذاكرةُ الكِتابيّةُ على النصوصِ المقدّسةِ، بل هي محفورةٌ في الجبالِ والوديانِ والمدنِ العريقةِ.
من مياهِ بيتِ عنيا في عبرِ الأردن، حيثُ يعتقدُ المسيحيّونَ أنَّ يسوعَ المسيحَ تعمَّدَ، إلى جبلِ نِيبو، حيثُ أطَلَّ موسى على أرضِ الميعادِ، تُمثِّلُ المملكةُ فصلًا أساسيًّا في تاريخِ المسيحيّةِ.
ومع ذلك، وكما أوضحَ رئيسُ الأساقفة جيوفاني بيترو دال توسو، السفيرُ البابويُّ لدى الأردنِ، في مقابلةٍ حديثةٍ مع مجلة أنوفيا، فإنَّ مكانةَ الأردنِ ضمنَ الأراضي المقدَّسةِ لا تزالُ سرديّةً تتكشَّفُ أمامَ الضميرِ المسيحيِّ العالميِّ.
بالنسبةِ لسفيرِ الفاتيكانِ، فإنَّ نقطةَ البدايةِ واضحةٌ؛ يجبُ فهمُ الأردنِ كجزءٍ لا يتجزَّأُ من الأراضي المقدَّسةِ نفسِها.
يقولُ: “من المهمِّ جدًّا التأكيدُ على أنَّ الأردنَ جزءٌ من الأراضي المقدَّسةِ”، مضيفًا أنَّ “هذا يسمحُ لنا، من منظورٍ دينيٍّ، بوضعِ المملكةِ في سياقِها الروحيِّ والتاريخيِّ الصحيحِ”.
ويُوضِّحُ أنَّ السَّببَ يَكمُنُ في الأحداثِ التوراتيَّةِ التي جَرَتْ في أرجاءِ الأردنِ، حيثُ يَحمِلُ كلٌّ من العهدِ القديمِ والعهدِ الجديدِ أحداثًا وآثارًا مرتبطةً بهذه الجغرافيا.
“فالنبيُّ إيليا، الذي يُعتقَدُ تقليديًّا أنَّه وُلِدَ في جلعاد في الأردنِ، وانتقلَ حيًّا في مركبةٍ ناريّةٍ إلى السماءِ. وهنا أيضًا موقعُ معموديَّةِ يسوعَ المسيحِ في بيتِ عنيا عبرَ الأردنِ، وجبلُ نيبو حيثُ وقفَ النبيُّ موسى على عتبةِ أرضِ الميعادِ.”
لكنَّ الأهميَّةَ المقدَّسةَ للمملكةِ لا تنتهي عند هذه المواقعِ المعروفةِ. ويُشيرُ رئيسُ الأساقفةِ إلى الأهميَّةِ الروحيَّةِ لِـ أم قيس، وهي مكانٌ يتمتَّعُ بجمالٍ طبيعيٍّ خلّابٍ يُطلُّ على بحيرةِ طبريَّا، ويُذكَرُ في التقاليدِ المسيحيَّةِ كموقعٍ لإحدى معجزاتِ يسوعَ العديدةِ. ويلاحظُ أنَّ “مثلَ هذه الأماكنِ تُذكِّرُ الزوَّارَ بأنَّ السَّردَ التوراتيَّ قد جرى عبرَ منطقةٍ واسعةٍ ومترابطةٍ، تشملُ الأردنَ كمسرحٍ مركزيٍّ.”
إلى جانبِ دلالاتِها الدينيَّةِ، يَحمِلُ الأردنُ أهميَّةً أخرى تتمثَّلُ أساسًا في قصَّةِ الكنيسةِ الأولى نفسِها. ووفقًا لما ذكره الكتَّابُ المسيحيُّونَ الأوائلُ، قال السفيرُ إنَّ مدينةَ بيلا (المعروفة أيضًا باسم الطبقات) كانت مدينةً ذاتَ أهميَّةٍ تاريخيَّةٍ كبيرةٍ.
وقد شكَّلت مدينةُ الفُحيل (شمال غرب الأردنِ) ملاذًا لأوَّلِ جماعةٍ مسيحيَّةٍ بعد الاضطهادِ في القدس، ممَّا يضعُ الأردنَ في السنواتِ التكوينيَّةِ للمسيحيَّةِ، حين سعى المؤمنونَ الأوائلُ إلى الحمايةِ وبدأوا في تأسيسِ مراكزَ إيمانيَّةٍ جديدةٍ.
ولا تزال الاكتشافاتُ الأثريّةُ تُؤكِّدُ هذا التاريخَ. ففي مدنِ الأردنِ ومناظرهِ الطبيعيّةِ، تشهدُ الفسيفساءُ البيزنطيّةُ المتقنةُ على حيويّةِ المجتمعاتِ المسيحيّةِ الأولى، حيثُ ازدهرتِ الكنائسُ في هذا الجزءِ من الأرضِ المقدَّسةِ، تاركةً آثارًا فنّيّةً ومعماريّةً تُتيحُ للباحثينَ والحُجّاجِ على حدٍّ سواءِ لمحةً عن تطوّرِ المسيحيّةِ في قرونِها الأولى. ويوضِّحُ رئيسُ الأساقفةِ قائلًا:
“تشهدُ الفسيفساءُ العديدةُ الموجودةُ في جميعِ أنحاءِ الأردنِ على أنَّ الكنائسَ المسيحيّةَ الأولى كانت راسخةً هنا. وتُعَدُّ هذه الفسيفساءُ دليلًا واضحًا على حيويّةِ المجتمعاتِ المسيحيّةِ الأولى. لذا فإنَّ الأردنَ ليس مهمًّا من منظورٍ دينيٍّ فحسب، بل هو أيضًا بالغُ الأهميّةِ لفهمِ تاريخِ الكنيسةِ وتطوّرِ المجتمعاتِ المسيحيّةِ الأولى”.
ومع ذلك، فإنَّ تحويلَ العمقِ التاريخيِّ إلى رحلةِ حجٍّ معاصرةٍ ذاتِ مغزى يتطلّبُ إدارةً دقيقةً. يرى سفيرُ الفاتيكانِ أنَّ الحجَّ يجبُ أن يبقى في المقامِ الأوّلِ رحلةً روحيّةً، تجربةً تدعو إلى التأمّلِ وإعادةِ اكتشافِ الإيمانِ المسيحيّ. ويُشيدُ السفيرُ بالجهودِ التي تبذلُها السلطاتُ الأردنيّةُ لتدريبِ المرشدينَ المحليّينَ على المعرفةِ الكتابيّةِ، بحيثُ تتجاوزُ زياراتُ المواقعِ المقدّسةِ الوصفَ التاريخيَّ لتشملَ التفسيرَ الروحيَّ. ويقول:
“أرى جهودًا مشجِّعةً في هذا الاتّجاه، وأعتقدُ أنَّ هذه طريقةٌ جيّدةٌ للمضيِّ قدمًا”.
وفي الوقتِ نفسهِ، تُشجِّعُ المؤسّساتُ الكنسيّةُ منظِّمي رحلاتِ الحجِّ في أوروبا والعالمِ الغربيِّ على ضمانِ مرافقةِ المجموعاتِ من قبلِ كهنةٍ أو أفرادٍ مدرَّبينَ في اللاهوتِ والدراساتِ الكتابيّةِ، على حدِّ قولِ السفير، مضيفًا أنَّ هذه الإجراءاتِ تساعدُ في الحفاظِ على جوهرِ الحجِّ الحقيقيّ.
وتلوحُ في الأفقِ فرصةٌ مهمّةٌ لتعميقِ هذا السردِ. ففي عامِ 2030 سيصادفُ مرورُ ألفي عامٍ على معموديّةِ السيّدِ المسيح، وهي ذكرى تستعدُّ الحكومةُ الأردنيّةُ بالفعلِ لإحياءِ ذكراها. في عامِ 2030 سنحتفلُ بمرورِ ألفي عامٍ على معموديّةِ سيّدِنا يسوعَ المسيح. هذه فرصةٌ استثنائيّةٌ لتعزيزِ مكانةِ الأردنِ كوجهةٍ للحجّ.
وتعكسُ المبادراتُ الأخيرةُ هذا الزخمَ المتزايدَ، ومنها معرضُ الفاتيكانِ الذي أُقيمَ في روما العامَ الماضي تحت عنوان “الأردن: فجرُ المسيحيّة”. ويرى السفيرُ البابويُّ أنَّ هذه الجهودَ تُشيرُ إلى وعيٍ متزايدٍ في الأردنِ بأهميّةِ الترويجِ لتراثهِ الدينيّ.
وفي الوقتِ نفسهِ، يلاحظُ السفيرُ أنَّ الوعيَ بالأردنِ كوجهةٍ سياحيّةٍ قويٌّ بالفعلِ في أوروبا والعالمِ الغربيّ، لكنَّ التحدّي الآن، كما أشار، هو ضمانُ إيلاءِ الحجِّ، البُعدَ الروحيَّ للسفرِ، القدرَ نفسَهُ من الاهتمامِ.
ويقترحُ السفيرُ البابويُّ فكرةً واعدةً، وهي وضعُ مسارٍ سياحيٍّ توراتيٍّ متكاملٍ داخلَ الأردنِ نفسِه؛ رحلةُ حجٍّ منظَّمةٌ تتبعُ العهدَ القديمَ والعهدَ الجديدَ وبداياتِ الكنيسةِ من خلالِ المواقعِ المقدَّسةِ المتنوِّعةِ في المملكةِ. ولاحظَ قائلًا: “كثيرٌ من الحُجّاجِ الذين يسافرونَ إلى الأراضي المقدَّسةِ لا يُمدِّدونَ إقامتهم في الأردنِ تلقائيًّا، وفي بعضِ الحالاتِ يمرّونَ بها مرورًا عابرًا”، مضيفًا أنَّ الأردنَ يزخرُ بمواقعَ تاريخيّةٍ مرتبطةٍ بالعهدِ القديمِ والعهدِ الجديدِ، فضلًا عن تاريخِ الكنيسةِ المبكِّر.
“إنَّ تطويرَ أسبوعِ حجٍّ كاملٍ مستوحًى من الكتابِ المقدَّسِ في الأردنِ سيُتيحُ للزُّوَّارِ فرصةَ عيشِ تجربةِ السردِ الكتابيِّ بشكلٍ أكثرَ شمولًا وتماسكًا، والتنقُّلِ عبرَ المناظرِ الطبيعيّةِ التي شهدت هذه الأحداثَ”. وأشارَ إلى أنَّ هذا النهجَ سيُمكِّنُ الحُجّاجَ من تجربةِ الأردنِ ليس فقط كامتدادٍ قصيرٍ لزياراتِهم للأراضي المقدَّسةِ، بل كرحلةٍ روحيّةٍ متكاملةٍ بحدِّ ذاتِها.
ومع ذلك، يحملُ الحجُّ دلالاتٍ تتجاوزُ تجربةَ المسافرِ. فبالنسبةِ لرئيسِ الأساقفةِ، يُعزِّزُ الحجُّ أيضًا الروابطَ بينَ المجتمعاتِ المسيحيّةِ المحليّةِ والكنيسةِ العالميّةِ الأوسعِ.
ويقولُ: “عندما يأتي الحُجّاجُ، فإنَّ ذلك يُساعدُ المسيحيّينَ هنا في الأردنِ والشرقِ الأوسطِ على الشعورِ بحضورِ وقُربِ المسيحيّينَ من أنحاءِ العالمِ الأخرى. إنَّهم يشعرونَ بانتمائِهم إلى كيانٍ أكبر، هو الكنيسةُ الجامعةُ”. بمعنى آخر، اللقاءُ متبادلٌ؛ يعيدُ الزوّارُ اكتشافَ جذورِ إيمانِهم، بينما تختبرُ المجتمعاتُ المحليّةُ تضامنَ عائلةٍ روحيّةٍ عالميّةٍ.
“في هذه الرؤيةِ الأوسعِ، تُصبحُ السياحةُ الدينيّةُ أكثرَ من مجرّدِ نشاطٍ اقتصاديٍّ أو ثقافيٍّ، بل شكلًا من أشكالِ التبادلِ الإنسانيّ”.
“في هذه الرؤيةِ الأوسعِ، تُصبحُ السياحةُ الدينيّةُ أكثرَ من مجرّدِ نشاطٍ اقتصاديٍّ أو ثقافيٍّ، بل شكلًا من أشكالِ التبادلِ الإنسانيِّ، يُسهمُ في الاستقرارِ والتفاهمِ في منطقةٍ غالبًا ما تتَّسمُ بتعقيداتها.” ويعتقدُ دال توسو أنَّ المبادراتِ التي تجمعُ بين التأمُّلِ اللاهوتيِّ، والبحثِ الأثريِّ، والتغطيةِ الإعلاميّةِ المسؤولةِ، يمكنُ أن تلعبَ دورًا هامًّا في صياغةِ هذا السردِ. ويُشيرُ إلى أنَّ هذه الجهودَ تسمحُ بفهمِ الجغرافيا المقدَّسةِ ليس فقط من خلالِ الدراسةِ الأكاديميّةِ أو الممارسةِ التعبديّةِ، بل أيضًا من خلالِ حوارٍ ثقافيٍّ مشتركٍ.
في نهايةِ المطافِ، تكمنُ قيمةُ الحجِّ في قدرتِه على تقريبِ الناسِ من التاريخِ، ومن الإيمانِ، ومن بعضِهم البعضِ. ويضيفُ سفيرُ الفاتيكانِ: “ولا ينبغي أن ننسى بُعدًا هامًّا آخر، وهو أنَّ مثلَ هذه التبادلاتِ يمكنُ أن تُسهمَ في بناءِ نظامٍ أكثرَ سِلْمًا في الشرقِ الأوسطِ، لأنَّه عندما يتعرّفُ الناسُ على بعضِهم البعضِ بشكلٍ أفضلَ، يُصبحُ العيشُ معًا أسهلَ.”
وأضافَ أنَّ وجودَ الحُجّاجِ والزُّوّارِ في الأردنِ والأراضي المقدَّسةِ يُسهمُ في تقدُّمِ البشريّةِ، ويُعزِّزُ التفاهمَ بينَ الثقافاتِ والمجتمعاتِ. وبهذا المعنى، فإنَّ المناظرَ الطبيعيّةَ المقدَّسةَ في الأردنِ لا تقتصرُ على كونِها وجهةً للحُجّاجِ، بل هي ملتقى يجمعُ بين الماضي والحاضر، وبين العلم والإيمان، وربما الأهمَّ من ذلك، بين ثقافاتٍ تسعى إلى مستقبلٍ أكثرَ سلامًا.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!