
السابق اعتداءٌ عُنصريٌّ جديد على “دير الزيارة” في عين كارم.. ووديع أبو نصار يُحذّر من “ظاهرة” تُغذّيها الكراهية وصمت المسؤولين

ليث حبش- ملح الأرض
في مشهدٍ يتكررُ كل عدة أعوام، يتزامن صيام شهر رمضان المبارك مع الصوم الأربعيني لدى المسيحيين، فيتحول المشهد الأردني إلى لوحة روحية نادرة، يلتقي فيها الأذان مع أجراس الكنائس، وتمتدُ فيها موائدُ الإفطار إلى جانب صلوات التقشف والانقطاع، في صورة تختصرُ معنى العيشِ المشترك الذي يتميّزُ به الأردن عبرَ تاريخه.
الإعلامي أحمد الكركي يؤكد في حديثه لـ ملح الأرض أن هذا التزامن ليس مجرد تقاطع في التقويم الديني، بل هو “التقاء دعاء”، حيث يتقاسم المسلمون والمسيحيّون زمن التهذيب الروحي والتقرّب إلى الله، كلٌّ وفق معتقده، لكن ضمن فضاءٍ وطنيٍ واحد يجمعهم.
ويشير الكركي إلى أن الصيام في الإسلام، كما في المسيحية، يقوم على تهذيبَ النفس، والشعور مع الفقراء، ومراجعة الذات، والتقرّب إلى الله، مضيفًا أن اجتماع “زمني الرحمة” في فترة واحدة يمنح المجتمع طابعًا من السكينة والألفة، ويجعل الدعاء يتجه في مسار واحد لحفظ الوطن وقيادته وصون الأمن والأمان.

الأردن… رسالة وئام تتجدد
يتوقف الكركي عند خصوصية التجربة الأردنية، مؤكدًا أن المملكة لطالما كانت نموذجًا في الوئام الديني، مُستشهدًا بمكانةِ مواقعٍ تاريخيةٍ مثل أم الرصاص، التي دخلت قائمة التراث العالمي عام 2004، وتحمل فسيفساء توثق حقبًا تاريخية متعاقبة، بما فيها العصور الإسلامية، في دلالةٍ على تداخل الحضارات والأديان على هذه الأرض.
كما يستحضرُ أحداث قلعة الكرك عام 2016، حين تزامنت الاعتداءات الإرهابية مع اقتراب عيد الميلاد المجيد، مشيرًا إلى أن رد الفعل الشعبي، ووقوف أبناء العشائر صفًا واحدًا لحماية الكنائس وأبناء المدينة، شكّل لحظة مفصليّة جسّدت أن الأردنيين، في الأزمات، يحمونَ بعضَهم بعضًا دون تمييز.
ويضيف لـ ملح الأرض “هذه ليست شعارات، بل ممارسةٌ يومية؛ نشاهدُ شبابًا مسيحيين قبيل أذان المغرب يوزعون الماء والتمر على الصائمين، كما نرى مسلمين يشاركون جيرانهم فرحة الميلاد. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الهوية الأردنية”.

صداقات تتجاوز الطقوس
المهندس محمد الصرايرة يروي لـ ملح الأرض تجربةً شخصيةً تعكسُ هذا التداخل الطبيعي، يقول إنه نشأ في مدارس مسيحية، وكان أقرب أصدقائه من المسيحيين، إضافة إلى أن جيرانه في الحي كانوا منهم، ما جعل مفهوم التعايش جزءًا من يومياته منذ الطفولة.
ويستذكر الصرايرة كيف كان يشارك أصدقاءه تزيين البيوت والشوارع في فترةِ الميلاد، فيما كانوا يشاركونَه الاستعدادات الرمضانية، من تعليقِ الزينة إلى انتظار آذان المغرب. ويقول: “لم نشعر يومًا أن هناك اختلافًا يفصلنا، بل تنوعًا يُثري حياتنا”.
ويرى أن تزامن صيام رمضان مع صوم الفصح هذا العام يحمل بُعدًا رمزيًا عميقًا، معتبرًا أنّ الصومَ في جوهرهِ “رحمة من الله وبركة على الجميع”، وأن اجتماع زمنين للعبادة في فترة واحدة يعزز الألفة بين الناس.

صوم واحد… بأشكال متعددة
من جانبه، يؤكد الشاب عون سمارنة أن الصوم في المسيحية هو مسيرةٌ روحيةٌ تقومُ على التقشّفِ وضبطِ النفس، تمامًا كما هو الحال في فلسفة الصيام الإسلامي من حيث تهذيب الإنسان داخليًا.
ويقول لـ ملح الأرض إن تزامن الصومين يجعله يشعر بأن المجتمع بأسره يعيش حالة مراجعة جماعية للنفس، “كأننا نسيرُ في طريقٍ روحيٍ واحد، وإن اختلفت الطقوس”.
هوية تتشكل بالدعاء المشترك
في ظل هذا التزامن، يتكررُ مشهدُ الدعاءِ للوطن في المساجدِ والكنائس، حيث تتجه ُالقلوب إلى الله بطلبِ الحفظِ والاستقرار. وهنا تتجلى فكرةٌ أعمق: أن الصوم، أيًّا كان شكله، يهدف إلى صناعةِ إنسان أفضل، أكثر رحمة وانفتاحًا.
هكذا، لا يبدو تزامن رمضان مع الصوم الأربعيني مجرد صدفة زمنية، بل مناسبة تتجدد فيها رسالة الأردن بوصفه أرضًا للقاء لا للافتراق، وللدعاء المشترك لا للصوت المنفرد.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!