Skip to content

د. كميل موسى أفرام… حين يرحل الإنسان ويبقى الأثر

تاريخ النشر: يناير 29, 2026 6:05 م
الدكتور الراحل كميل موسى افرام

الدكتور الراحل كميل موسى افرام

د. نزار جمال حداد

أأحبرُ الدمع ناعيًاك، أم أعتصرُ دمَ الفؤاد؟
أأجدُ كلامًا وقد جفَّ في عروق لساني؟!

ليس سهلًا أن نكتب عن الراحلين حين يكونون أصدقاء، وحين لا يكون الفقد حدثًا عابرًا، بل فجعةً كاملة الأركان. كيف، وبماذا، أبكيك يا د. كميل موسى أفرام؟ وبأيّ لغة أودّعك، وأنت الصديق الوفي، صاحب الإحساس الهفيف، والقول الشفيف، والروح التي كانت تميل دائمًا إلى الناس لا فوقهم؟

قبل أيام قليلة فقط، كنت تطمئنني أن صحتك مستقرة. قلتها بهدوئك المعهود، كأنك ـ دون قصد ـ كنت تهيئ من حولك للفقد، ثم مضيت، تاركًا الدهشة أثقل من الاحتمال.

عرفناك فارسًا يرفض الترجّل إلا في ميدانه. في الجامعة، في المستشفى، بين مرضاه وطلابه. هناك كنت في مكانك الطبيعي: تضمّد الجراح، وتخفف الآلام، وتمارس مهنتك كما آمنت بها دائمًا، رسالةً لا وظيفة. كنت تغادر واقفًا، وعلى رأس عملك، كما عشت واقفًا طوال عمرك؛ صلبًا في الحق، لا تهادن فيه، ورحيمًا في الإنسان، لا تقسو عليه.

ولم تكن طبيبًا فقط. كنت كاتبًا يعرف كيف يلامس المعنى دون ادعاء، ومحللًا إداريًا وسياسيًا يكتب ليضيء لا ليصخب. اعتاد قرّاء الرأي أن ينتظروا مقالك السنوي في عيد ميلادك، ذاك النص الذي كنت تحلّق فيه فوق السنين كتجربة منطاد، وتكتب رسالتك الدائمة: «رسالة إلى ولدي». رسالة لم تكن موجهة لولدك وحده، بل لجيل كامل، عن الكفاح، والمعنى، وقيمة الإنسان.

كنت تشبه الناس، وتصرّ على ذلك. ابن رحم المعاناة، وحكاية ابن مكافحين جعلا من أبنائهما رأس مالهم الوحيد واستثمارهم الأسمى. رند، وموسى، وفرح… أبناء تعلّموا فأبدعوا، فصاروا نموذجًا، لأن أباهم كان النموذج. نموذجًا لكل الكادحين، أبناء أولئك الذين لم يملكوا إلا جملة واحدة يواجهون بها الحياة:
«ببيع جاكيتي وبدرّسك يا با».

رحيلك المتعجّل، يا صديقي، فجعني. لم يبقَ في العيون مخزون كافٍ من الدمع، ولا في الفؤاد متّسع لكل هذا الحزن. ومع ذلك، نعرف أن بعض الناس لا يُختصرون بالموت، بل يُقاسون بالأثر… وأثرك باقٍ.

إلى زوجتك رندا، شريكة الرحلة والصبر، وإلى موسى، وفرح، ورند،
العزاء الذي لا يُقال إلا همسًا، والصبر الجميل الذي يليق بالكبار. فالراحل كبير، والألم أكبر، لكن العزاء أن السيرة نظيفة، والطريق الذي مشى فيه والدكم كان مستقيمًا.

الأخ والصديق الغالي،
د. كميل موسى أفرام،
على رجاء الإيمان نودّعك. نودّعك وأنت الإنسان المؤمن، الصبور، الجسور، الذي رحل جسدًا، وبقي معنى.

*********************************************************

*************************************************************************

فيما يلي نعيد نشر مقال للدكتور الراحل كما جاء في صحيفة الراي في 8-11-2009

مشوار كلية الطب .. رحلتي من الابتدائية حتى الأستاذية

أ.د كميل موسى فرام

وبدأت جلسات المحكمة

انتهى الفصل الأول من المسرحية بإيقافي عن العمل في الجامعة والمستشفى وتحويلي مع زملاء آخرين لسعادة مدعي عام محكمة شمال عمان صاحبة الاختصاص للنظر بالشكوى بتاريخ 13/07/2003، وكان هناك شهادات لأكثر من مئة شاهد وجميعها تدينني لأن اللجنة أخفت من محاضرها المرسلة جميع الشهادات التي هي أضعاف المرسلة للمحكمة لأنها لا تتوافق مع هدفها ورفض أصحابها بيع ضمائرهم بالتبرع بشهادة كاذبة مهما كان الثمن وبالرغم من التهديد المتواصل من قبل لجنة التحقيق بعقوبات مختلفة الأشكال والتأثير وأعترف أن البعض ممن ذهبوا برفقتي للمحكمة كانوا ضحية لهذه العقلية والسلوك بسبب ترتيبات لم يوفق كاتب السيناريو فيها أو مخرجها أو عرابها ففشلوا حتى بصياغتها، ولن أخفي سعادتي بتحويلي للمحكمة، بيت العدالة التي نحترمها فقضاؤنا العادل هو خط الدفاع الأول عن حقوقنا وإنصافنا، كنت أشعر بالفخر في كل جلسة حضرتها حيث الاحترام والاستماع للأقوال لمن حضروا، وكنت فخورا بقضائنا وأقسمت بداخلي أن قرار المحكمة النهائي تاج على الرأس لأنني عشت بأريحية واطمئنان وأيقنت أيضا صحة قراري بالذهاب للمحكمة عندما قابلت لجنة التحقيق والاختيار بين الاستقالة أو المحاكمة؛ أكرر قولي بأن أخبرتهم أن المحاكم بيت العدالة، فإن ثبت خطأ ارتكبته فمرحبا بحكم جزاء عقوبة لي وعبرة للآخرين، وإن ثبتت براءتي فسأعود على منطاد وأجعل من رؤوس العرابين وقلوبهم مدرج الهبوط الآمن.

وهنا بدأ فصل جديد، حيث بدأت إجراءات المحكمة بسماع شهود الحق العام وحسب الأصول، وخلال هذه الفترة الحرجة كان هناك انقلاب جذري بحياتي وسلوكي، جرح نازف لن يلتئم حتى مع البراءة التي حصلت عليها، فقد شكل ذلك محطة التأخير بمسيرة الطموح وقد صنّفت هذه الفترة العمرية بأنها الفترة الحياتية الأسوأ والأحسن في حياتي بما حملت من أحداث، وساهمت بتغيرات متعددة بعد البرمجة الاجبارية لاعادة ترتيب الأولويات، حيث أجبرتني على مراجعة شاملة؛ لتصرفاتي، سلوكي، تعاملي وغيرها من أبجديات الشخصية الناضجة، فتأثيرها السلبي تعدى حدود التحمل خصوصا مع لغة الهمس واللمز التي استخدمها البعض في التعامل معي فآثر بعضهم من زملاء وأقارب ومعارف ومنتفعين من خدماتي الابتعاد عني لشبهة قد تطالهم، وربما السهم الجارح النازف كان بلغة قرارات لجنة التحقيق عندما نصبت من نفسها المشتكي والقاضي بإصدار أحكامها الناطقة بالحقد والغيرة، فركزت على لصق سمات بعيدة عني كل البعد لأنني عائليا وتربويا وأخلاقيا ومهنيا ودينيا ووطنيا أبعد ما أكون مالكا لأي منها، بل أكرر التزامي واحترامي للقوانين التي تحكم المهنة أولاً وقوانين المؤسسة التي تحتضني، ولكنها قدر محتوم لفئة من الناجحين بجهودهم وأتمنى أن لا تطال أي ناجح مستقبلي، ولكن ثقتي بالله وبقضائنا كانت البلسم الضامد للجرح والمضيء لطريق المستقبل، طريق الحقيقة والسعادة، طريق المثابرة والابتكار.

رحلتي للمحكمة كانت الرحلة القاسية لأنني ظُلمت ولا يعرف معنى الظلم إلا من عاشه واقعاً، حيث أمضيت خمس سنوات من عمري بين أروقة المحاكم، وما زالت ارتدادات ذلك البركان الظالم المصطنع تحتل مساحة من الماضي والحاضر والمستقبل بالرغم من محاولات النسيان لتجاوزها، حيث قرأت خلالها قانون العقوبات الأردني وبحثت في المراجع القانونية عن دلائل البراءة بالتعاون مع المحامي القدير الأستاذ شريف الريماوي، ولكن لظروف خاصة انتقل للعمل كمستشار لوزارة العدل، واقع جديد فرض أروقته على منعطفات حياتي، فكنت مناقشا للشهود في المراحل الأخيرة من الجلسات، وكتبت مرافعتي الدفاعية والتي تتكون من ستين صفحة وقدمتها للمحكمة الموقرة، بينت فيها عدم المصداقية والافتراء لمن حبك في أروقة خياله القصة، وخلال هذه الفترة كان عليّ التوفيق بين عائلتي وعملي وسمعتي وبراءتي من التهم الكاذبة التي حاول نساجو المؤامرة وعرابوها تبريريها بوثائق مزورة وشهود زور.

وأعتبرها الأجمل لأنها أثبتت براءتي بالرغم من استنزافها لجهد عمري ومادي ونفسي، كما أنها أعطتني فرصة لغربلة قائمة المعارف والأصدقاء والذين لا يعرفون إلا في مثل هذه المواقف حيث لم أتلق أي اتصال هاتفي أو زيارة ممن كانوا ضيوف مصالح بمنزلي وعيادتي وقد أنفقت عليهم ، كما أنني بكل فخر كنت سببا لتعرية عرابي المؤامرة بحلف اليمين الكاذب في المحكمة ووضع يدهم على كتاب الله والإدلاء بشهادة كاذبة أمام جميع الحاضرين والذين يعرفون الحقيقة فكانوا شهود زور منافقين وأنا على يقين أنهم يؤنبون أنفسهم حتى اليوم وإلى الأبد إن كان لديهم خيال ضمير، وأقول ذلك بعد أن ثبت للمحكمة الموقرة والتي نظرت القضية أن هؤلاء قد نسجوا من خيالهم تهم الافتراء بكل معنى الكلمة.

تعددت الأحداث السعيدة التي عوضتني عن جزء ضئيل من الظلم المبرمج، وسوف أفرد لها مقالة قادمة ولكنني أعلن أن أجمل الأحداث التي منحتني السعادة والراحة وزرعت شجرة الأمل بحديقة الفؤاد أن الله أكرمني بولادة ابني موسى، ملاك أضاف للعائلة الصغيرة والكبيرة معنى جديدا، فحمل اسم جده، وأعطى العائلة فرصة امتلاك الاكتمال بالانضمام لشقيقتيه فرح ورند وللحديث بقية.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment