Skip to content

حين يصبح ” ChatGPT” ملاذًا.. عندما تصمت البيوت وتنطق الشاشات

تاريخ النشر: فبراير 7, 2026 3:41 م
سامر ميشيل عجيلات- استراليا

سامر ميشيل عجيلات- استراليا

*سامر ميشيل عجيلات– ملبرون- استراليا

في زوايا بيوتنا اليوم، بات هناك ضيف ثقيل لا نراه، لكننا نشعرُ بأثره. قد تجلسُ الزوجة في هدوءِ الصالون، هاتفها في يدها، تخوضُ حواراً طويلاً وعميقاً.. لكن ليس مع شريك حياتها، بل مع شاشة صماء تُدعى “ChatGPT”. هذا المشهد، رغم غرابته، لا يجب أن يثيرَ فينا غضباً أو ذعراً، بل هو “ناقوس خطر” يدعونا للتأمّلِ في جوهر علاقتنا الإنسانية من منظور مسيحي عميق.

هل الروح تشبع بالخوارزميات؟

الزواج في إيماننا ليس مجرد عقد مدني أو اتفاقية للتعايش، بل هو “سر مقدس” وشراكة حياة كاملة. عندما يقول الكتاب المقدس (وَأَمَّا أَنْتُمُ الأَفْرَادُ، فَلْيُحِبَّ كُلُّ وَاحِدٍ امْرَأَتَهُ هكَذَا كَنَفْسِهِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلْتَهَبْ رَجُلَهَا.” (أف 5: 33، فهو لا يتحدث عن مشاعر عابرة، بل عن احتواء يغني النفس عن أي بديل.

لكن، لماذا قد تختار الزوجة “الذكاء الاصطناعي” لتفرغ له مكنونات صدرها؟ الإجابة في الغالب لا تتعلق بالتكنولوجيا، بل بـ “الأمان”. فالآلة لا تطلق أحكاماً، لا تسخر، ولا تقاطع بعبارات مثل “أنتِ تبالغين”. هي تبحث عن مساحة للاعتراف بمشاعرها دون خوف من رد فعل قاسية أو نبرة استهزاء، وهو ما يعكس -للأسف- غياب “الإصغاء الشافي” داخل البيت.

الزوج كمرآة للمسيح في الاحتواء

الكتاب المقدس يضع لنا منهجاً مذهلاً في التواصل بكلمات بسيطة (إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، لِيَكُنْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُسْرِعًا فِي الاسْتِمَاعِ، مُبْطِئًا فِي التَّكَلُّمِ، مُبْطِئًا فِي الْغَضَبِ). (يعقوب 1: 19).

دور الزوج هنا يتجاوز كونه “مُعيلًا”؛ إنه مدعو ليكون مرشداً نفسياً وروحياً لبيته. الزوجة لا تحتاج دائماً إلى “حلول منطقية” لمشاكلها بقدر حاجتها إلى قلب يشعر بها قبل أن يحلل كلامها. عندما يفرّق الزوج بين “المشاعر” وبين “الخطأ والصواب”، ويسمع زوجته دون أن يقف في مقعد القاضي، فإنه يهدم الجدران الرقمية التي بنيت بينهما ويعيد بناء جسور المودة.

أين يكمن الخطر الحقيقي؟

الخطر ليس في التطبيق نفسه، بل في “الانفصال العاطفي الصامت”. الذكاء الاصطناعي قد يعطي معلومة، لكنه لا يعطي “حضوراً”. قد يمنح نصيحة، لكنه لا يمنح “حضناً” أو “نظرة طمأنينة”. إذا استمر تفريغ المشاعر خارج العلاقة، ستتحول الشركة الزوجية تدريجياً إلى “سكن مشترك” بارد، تضيع فيه الروح التي جعلت من الاثنين جسداً واحداً.

 خارطة طريق للعودة إلى الدفء

الإرشاد الأسري المسيحي لا يكتفي بالتشخيص، بل يقدم خطوات للشفاء:

*  المصارحة الوديعة: بدلاً من اللوم، قل لها: “أشعر أنني افتقدت أحاديثنا الطويلة، هل هناك شيء يجعلني أبدو بعيداً؟

* خلق “واحة” زمنية: تخصيص وقت يومي، ولو لنصف ساعة، تُغلق فيه الهواتف وتُفتح فيه القلوب.

* الصلاة الصادقة: الصلاة معاً ليست مجرد طقس، بل هي اللحظة التي يذوب فيها “الأنا” ليلتقي الطرفان في محضر الله، حيث تنكشف القلوب وتصفى النفوس.

* لاستماع بالعينين: أحياناً يكون النظر في عيني الزوجة وهي تتحدث أبلغ من ألف نصيحة برمجية.

كلمة أخيرة

تفضيل الزوجة للحديث مع ChatGPT ليس حكماً بالفشل على الزواج، بل هو دعوة لاستعادة “الكلمة” التي ضاعت في زحام الحياة. إنها صرخة صامتة لطلب الاحتواء. وعندما يجد القلب مكانه الآمن داخل البيت، ستنطفئ الشاشات تلقائياً، ليعلو صوت الحب والشركة الحقيقية.

  • باحث ومستشار في إدارة الموارد البشرية وتطوير القيادات

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment