
السابق A life of service beyond rank and recognition- Lt. Brigadier Ajilat

بقلم رلى السماعين*
في مقابلة حصرية ،جزء من بحث لكتاب مع الفريق المتقاعد شفيق عجيلات،، تتكشف مسيرته المهنية ليس فقط كسلسلة من المناصب المتعاقبة، بل كمسار متصل من المسؤولية والانضباط؛ مسار يعكس في عمقه تطوّر القوات المسلحة الأردنية ذاتها هي حكاية تقوم على الاستمرارية الراسخة والتراكم الهادئ للواجب.
ينتمي عجيلات إلى جيل من الضباط الذين بدأت مسيرتهم في مرحلة ما بعد سبعينيات القرن الماضي، وهي مرحلة شهدت ترسيخ البناء المؤسسي في الأردن، حيث لم يكن الجيش يعزز قدراته العملياتية فحسب، بل كان يرسّخ أيضاً دوره كأحد أعمدة تكوين الدولة.
ومن خلال تدرّجه في سلاح المدرعات، أحد أكثر التشكيلات حسماً من الناحية الاستراتيجية، تولّى قيادة لواء مدرع في أوائل التسعينيات، في مرحلة اتسمت بتقلبات إقليمية أعقبت حرب الخليج، ما تطلّب مستوى عالياً من الجاهزية يتجاوز الأطر النظرية إلى الانضباط اليومي الفعلي.
وكما أشار فقد تولّى الباشا شفيق عديلات منصب مدير سلاح المدرعات، حيث أسهم في تطوير أنظمة التدريب والأطر العملياتية التي ضمنت استمرارية العمل المؤسسي في أحد أهم أذرع القتال في الجيش.
إلا أن ما يبرز بوضوح في روايته ليس الرتبة، بل التأسيس.
فعند حديثه عن البدايات الأولى لما أصبح لاحقاً اللواء المدرع 99، يستذكر مرحلة اتسمت بالتحمّل أكثر من التنظيم.

يقول “لم نكن نبني وحدة على الورق… كنا نبنيها في الميدان، في الصحراء، ليلاً ونهاراً”. فاللواء، الذي لم يكن يحمل اسماً آنذاك، تشكّل في ظروف لم تترك مجالاً للتجريد أو التنظير. ويضيف، “لم نكن ننام… كان علينا أن نبقى مستعدين دائماً، متقدمين على ما قد يحدث”.
وفي إحدى الحوادث، ت في سبعينيات القرن الماضي، عرّض المعسكر لإطلاق نار إسرائيلي مباشر وكانت الاستجابة، كما يصفها، فورية ومدروسة، حيث تم تحريك الوحدات الآلية وتعزيز المواقع الدفاعية وإعادة السيطرة بدقة. غير أن ذلك لم يخلُ من كلفة إنسانية، إذ أُصيب ضابط شاب صديق للباشا واستُشهد لاحقاً، وهي خسارة بقيت راسخة في ذاكرة عجيلات، ليس كحادثة منفصلة، بل كجزء من نسيج القيادة ذاته.
ويعلّق قائلاً “القيادة ليست رتبة… بل القدرة على اتخاذ القرار في اللحظة التي يكون فيها القرار هو الفارق”.
هذه الروح لا تقتصر على ميدان القتال. ففي إحدى لحظات الحديث، استعاد عجيلات موقفاً يعكس الثقافة الداخلية للمؤسسة العسكرية، وما تحمله من حس عميق بالواجب. “دعنا لا نتحدث عن الأمور المالية… المهم أنني جاهز”.
تصريح يعكس نهجاً أوسع داخل القوات المسلحة الأردنية، حيث لا يُقاس الواجب بمعايير مادية، بل يرتكز على مبدأ راسخ.
وفي أواخر التسعينيات، شغل منصب الملحق العسكري في بيروت، في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتداخل حدود الأمن بالدبلوماسية. وفي ظل تهديدات مباشرة، لم يقتصر دوره على التمثيل، بل امتد إلى حماية المواطنين الأردنيين ومصالح الدولة.
وفي إحدى الحالات، ومع تصاعد التوترات، كان موقفه حاسماً: “أي أذى، مهما كان بسيطاً، يلحق بمواطن أردني… لن يُسمح به”. وهو تصريح موجز، لكنه يعكس عقيدة دولة تمتد مسؤوليتها إلى ما وراء حدودها.
وكما ورد في أرشيف الديوان الملكي الهاشمي، لم تتوقف مسيرة عجيلات عند خدمته العسكرية، إذ تم تعيينه عضواً في مجلس الأعيان بإرادة ملكية سامية في عهد الملك عبدالله الثاني، في سياق نمط راسخ في الدولة الأردنية، ينتقل القادة العسكريون إلى أدوار تشريعية واستشارية، بما يضمن استمرارية الذاكرة المؤسسية داخل الدولة.
ومن الناحية التحليلية، فإن ما يلفت في مسيرة عجيلات هو ما لم يُذكر. ففي أي مرحلة، لا تظهر الهوية، الدينية أو غيره، كعامل محدد. وبصفته ضابطاً مسيحياً، فإن حضوره داخل المؤسسة العسكرية لا يُقدّم كحالة استثنائية أو رمزية، بل كامتداد طبيعي لإطار وطني أوسع تتقدم فيه المواطنة على أي تصنيف. ويتسق ذلك مع الضمانات الدستورية المنصوص عليها في دستور عام 1952، ولا سيما في المواد 6 و14، التي تؤكد المساواة أمام القانون وحماية حرية المعتقد، كما يتعزز هذا النهج في الخطاب الوطني لجلالة الملك عبدالله الثاني حول التعايش والمواطنة الجامعة.
ومن منظور أكاديمي، تقدّم مسيرة عجيلات أكثر من سرد سيرة ذاتية؛ فهي تتيح قراءة نموذج الدولة الأردنية في تشكّلها، حيث تُمارَس الهوية الوطنية من خلال المؤسسات، لا سيما المؤسسة العسكرية، التي يُجسَّد فيها مفهوم الشمول ليس كشعار، بل كممارسة يومية.
وبالتالي، فإن وجود شخصيات مسيحية في مواقع عسكرية وقيادية متقدمة لا يُعد خروجاً عن النسق، بل دليلاً على تماسكه الداخلي. وفي هذا الهدوء تحديداً، تتجلى الدلالة الأعمق: أن قوة الدول لا تكمن فقط في مؤسساتها، بل في أولئك الذين يحافظون عليها بصمت، عبر الانضباط والاستمرارية وفهم عميق لمعنى الخدمة.
شفيق عجيلات رجل من طراز نادر، نموذج للنزاهة، والولاء الراسخ، والقيادة القائمة على المبدأ. حياته تعكس حباً عميقاً للوطن، والتزاماً ثابتاً بمؤسساته، واحتراماً كبيراً للقوات المسلحة الأردنية التي أعطى من سنوات عمره في خدمتها.
وفي سلوكه وانضباطه وإحساسه الهادئ بالواجب، يمثل الباشا شفيق عجيلات مسيرة عسكرية متميزة، ونموذجاً إنسانياً يتسم بالشرف والتواضع والاعتزاز الوطني.
*صحفية وكاتبة متخصصة في حوارات الأديان وصحافة السلام والمصالحة


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!