Skip to content

حظرُ مواقعِ التّواصلِ عن الأطفالِ دون 16 عامًا… بين التّشريعِ والطّبِّ النّفسيّ وهواجسِ الأهل

تاريخ النشر: فبراير 11, 2026 10:15 ص
WhatsApp Image 2026-02-11 at 10.14.28 AM

ملحُ الأرض – ليث حبش

في ظلِّ تصاعدِ المخاوفِ المجتمعيّة من التّأثيراتِ النّفسيّة والسّلوكيّة لمواقعِ التّواصلِ الاجتماعيّ على الأطفالِ والمراهقين، أعادت مذكرةٌ نيابيّةٌ صادرةٌ بتاريخِ 8 شباط/فبراير فتحَ النّقاشِ حول ضرورةِ تنظيمِ استخدامِ هذه المنصّات، خاصّةً لمن هم دون سنِّ 16 عامًا. نقاشٌ لم يعد محصورًا في الأطرِ التّشريعيّة، بل امتدَّ إلى الأخصّائيّين النّفسيّين والأهالي، الّذين يلامسون يوميًّا آثارَ العالمِ الرّقميّ على أبنائهم.

المذكرة النيابية التي قدمها هايل عياش نائب محافظة الزرقاء

النّائب هايل عيّاش: التّشريعُ ضرورةٌ لحمايةِ الأجيالِ لا لتقييدِ الحريّات

علّق الدّكتور هايل عيّاش، نائبُ المقعدِ المسيحيّ لمحافظةِ الزّرقاء، على المذكّرةِ النيابيّة الّتي تبنّاها عددٌ من النوّاب، والّتي تنصُّ على حظرِ استخدامِ مواقعِ التّواصلِ الاجتماعيّ للأطفالِ دون سنِّ 16 عامًا، مؤكّدًا أنّ هذه الخطوة جاءت استجابةً لقلقٍ مجتمعيٍّ حقيقيٍّ ومتزايد.

وأوضح عيّاش في حديثه لـ ملح الأرض أنّ الأطفالَ باتوا عرضةً لمحتوى غير لائقٍ وغير مناسبٍ لأعمارهم، إضافةً إلى ظواهرَ خطيرةٍ أبرزها التّنمّرُ الإلكترونيّ، والابتزاز، والعزلةُ النّفسيّة، مشيرًا إلى أنّ هذه التّأثيرات لم تعد افتراضيّة، بل تحوّلت إلى وقائعَ مؤلمةٍ انعكست على أُسَرٍ ومجتمعاتٍ بأكملها.

وبيّن أنّ هذا التّوجّه ليس محلّيًّا فحسب، بل يأتي في سياقٍ عالميّ، حيث بدأت دولٌ أوروبيّةٌ وعربيّةٌ باتّخاذِ إجراءاتٍ وتشريعاتٍ مماثلة، بعد صدورِ دراساتٍ وتقاريرَ تثبتُ حجمَ الضّررِ النّفسيّ والسّلوكيّ النّاتج عن الاستخدامِ غير المنضبطِ لمواقعِ التّواصل.

ولفت عيّاش إلى حوادثِ انتحارٍ شهدتها بعضُ الدّولِ الأوروبيّة مؤخرًا، بعد تعرّضِ أطفالٍ لمحتوى خطيرٍ مرتبطٍ بألعابٍ إلكترونيّة وتحدّياتٍ رقميّة، معتبرًا أنّ تركَ هذا الملفّ دون تنظيمٍ قد يقودُ إلى كوارثَ إنسانيّةٍ واجتماعيّة.

وشدّد نائبُ الزّرقاء على أنّ مسؤوليّةَ المشرّعين تكمنُ في سنِّ قوانينَ واضحةٍ ورادعةٍ تحمي الأطفالَ من الاستغلالِ الرّقميّ والانتهاكاتِ النّفسيّة، مع التّأكيدِ على ضرورةِ تحقيقِ توازنٍ بين مواكبةِ التّطوّرِ التّكنولوجيّ والانفتاحِ الرّقميّ، وبين الاستخدامِ الآمنِ والمسؤولِ للتّكنولوجيا والذّكاءِ الاصطناعيّ.

وختم حديثَه لـ ملح الأرض بالتّأكيدِ على أنّ الهدفَ من المذكّرة ليس تقييدَ الحريّات، بل حمايةَ الأجيالِ النّاشئة وبناءَ بيئةٍ رقميّةٍ صحيّة، داعيًا إلى شراكةٍ حقيقيّةٍ بين الجهاتِ التّشريعيّة والتّنفيذيّة، والمؤسّساتِ التّربويّة، والأهل، لضمان تنشئةٍ رقميّةٍ آمنةٍ للأطفال.

الأخصّائيّة عرين حتّر

الأخصّائيّة عرين حتّر: آثارٌ نفسيّةٌ عميقةٌ تختلف حدّتُها لكنّها لا يمكن تجاهلُها

من جهتها، حذّرت الأخصّائيّة النّفسيّة الإكلينيكيّة عرين حتّر من التّداعياتِ النّفسيّة والسّلوكيّة الخطيرة لاستخدامِ مواقعِ التّواصلِ الاجتماعيّ بشكلٍ مفرطٍ لدى الأطفالِ والمراهقين دون سنِّ 16 عامًا، مؤكّدةً أنّ هذه التّأثيرات تختلف في حدّتِها من طفلٍ إلى آخر، تبعًا لطبيعةِ التّربيةِ الأُسَريّة ومستوى الوعي ونوعيّةِ المحتوى المتلقّى.

وأوضحت حتّر لـ ملح الأرض أنّ ثقافةَ المقارنةِ المستمرّة تُعدُّ من أبرزِ التّأثيراتِ النّفسيّة الشّائعة، حيث يبدأ الأطفالُ والمراهقون بمقارنةِ حياتِهم ومظهرِهم وإمكاناتِهم بما يشاهدونه على المنصّاتِ الرّقميّة، معتبرين هذه الصّور واقعًا حقيقيًّا، رغم أنّها غالبًا ما تعكس نماذجَ مثاليّةً ومصطنعة.

وبيّنت أنّ هذه المقارنات تقودُ إلى تدنّي تقديرِ الذّات، وربطِ القيمةِ الشّخصيّة بعددِ الإعجاباتِ والتّعليقات، ما يجعل الأطفالَ أكثرَ حساسيّةً للنّقد وأقلَّ قدرةً على ضبطِ مشاعرهم، خاصّةً في مرحلةٍ عمريّةٍ تتزامن مع تغيّراتٍ هرمونيّةٍ كبيرة، وعدم اكتمالِ نموِّ المناطقِ الدّماغيّة المسؤولة عن التّفكيرِ المنطقيّ وتقديرِ المخاطر.

كما أشارت إلى انتشارِ اضطراباتِ صورةِ الجسد واضطراباتِ الأكل، خصوصًا بين الفتيات، مقابل لجوءِ بعضِ الفتيان إلى الإفراطِ في التّمارينِ الرّياضيّة سعيًا وراء صورةٍ جسديّةٍ مثاليّة، محذّرةً من أنّ ذلك قد يقودُ إلى قلقٍ شديدٍ واكتئابٍ واضطراباتٍ نفسيّةٍ طويلةِ الأمد.

وعلى الصّعيدِ السّلوكيّ، لفتت حتّر إلى أنّ الاستخدامَ المفرطَ للشّاشات ينعكس انسحابًا اجتماعيًّا وضعفًا في المهاراتِ الاجتماعيّة، وصعوبةً في قراءةِ الإشاراتِ الاجتماعيّة، إضافةً إلى اضطراباتِ النّوم وفقدانِ الشّعورِ بالمتعة، ما يؤثّر سلبًا على التّحصيلِ الأكاديميّ.

وحذّرت كذلك من التّحدّياتِ الرّقميّة الخطيرة و«التّرندات القاتلة»، مؤكّدةً أنّ عدم اكتمالِ نموِّ القشرةِ الجبهيّة لدى الأطفالِ والمراهقين يجعلهم أكثرَ عرضةً لتقليدِ هذه السّلوكيّات دون إدراكٍ لعواقبِها، فضلًا عن مخاطرِ التّفاعل مع الغرباءِ والابتزازِ الإلكترونيّ.

ورغم اعتبارِها أنّ فرضَ عمرٍ قانونيٍّ لاستخدامِ مواقعِ التّواصل خطوةٌ إيجابيّة، شدّدت حتّر على أنّ الحلَّ الحقيقيّ يكمنُ في وعيٍ مجتمعيٍّ شامل، يبدأ من الأسرة، مرورًا بالمدرسة، وصولًا إلى المؤسّساتِ التّربويّة والإعلاميّة، مؤكّدةً أنّ الأهل يشكّلون خطَّ الدّفاعِ الأوّل من خلال الحوار وبناء علاقةٍ آمنة مع الأبناء.

أمّ لطفلين: الخوفُ الأكبرُ على نفسيّةِ أولادِنا

من داخلِ البيوت، تنقلُ تالا أيوب، وهي أمٌّ لطفلين، صورةً يوميّةً للقلقِ الّذي يعيشه الأهل. تقول أيوب لـ ملح الأرض إنّ مواقعَ التّواصلِ الاجتماعيّ أصبحت جزءًا أساسيًّا من حياةِ أبنائها، رغم محاولاتِها المستمرّة لتنظيم هذا الحضورِ الرّقميّ.

وتضيف: «نحن كأهالٍ نعيش صراعًا يوميًّا، الهاتف موجودٌ في كلِّ مكان، وأشعر أحيانًا أنّ مواقعَ التّواصل دخلت بيوتَنا دون استئذان».

وتشير أيوب إلى تغيّرٍ واضحٍ في سلوكِ طفلَيها، من سرعةِ الانفعال وتراجعِ الصّبر، إلى حساسيّةٍ مفرطة تجاه المقارنةِ مع الآخرين، سواء في المظهر أو أسلوبِ الحياة، لافتةً إلى أنّ ابنتَها تقارن نفسَها بما تراه على المنصّات، فيما ينجذب ابنُها للألعابِ والتّحدّياتِ الرّقميّة سعيًا للشّعورِ بالانتماء.

وتعبّر عن قلقِها من المحتوى الخفيّ الّذي قد يصل إلى الأطفال دون علمِ الأهل، مؤكّدةً أنّ الرّقابة لم تعد كافية في ظلِّ السّرعةِ الهائلة لتداولِ المقاطع والتّحدّيات، فضلًا عن تأثيرِ استخدامِ الهاتف على النّوم والعلاقاتِ الأُسَريّة.

ورغم ذلك، تؤكّد أيوب أنّها لا تعتمد المنعَ الكامل، بل تحاول بناءَ علاقةٍ قائمةٍ على الثّقةِ والحوار، وتوضيحَ أنّ ما يُعرض على مواقعِ التّواصل ليس بالضّرورة حقيقيًّا، مشدّدةً على حاجةِ الأهل إلى دعمٍ وتوعيةٍ حقيقيّة لمواجهة هذا التّحدّي المتسارع.

وكان النائب هايل عيّاش قد نشر منشور على صفحتهِ عبر الفيسبوك عبّر فيها عن تقديرهِ لخطوةِ الحكومةِ في تشكيلِ لجنةٍ وطنيةٍ لحمايةِ الأطفالِ من مخاطرِ منصّاتِ التواصل الاجتماعي، معتبرًا أنّ هذه الإجراءات الاحترازية جاءت استجابةً مباشرةً للمذكّرة النيابيّة التي تقدّم بها مع عدد من زملائه، وداعيًا إلى البناء على هذه الخطوة عبر تشريعاتٍ واضحة تضمن سلامة القاصرين وتوفّر بيئة رقميّة أكثر أمانًا للأجيال القادمة.

منشور النائب هايل عياش يشكر فيها الحكومة على الاستجابة لمذكرته النيابية

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment