Skip to content

حضورُ المسيحيّين في مناصبِ الدَّولة… بينَ التَّحوُّلاتِ العامَّةِ والتَّحدّياتِ غير المُعلنة

تاريخ النشر: يناير 28, 2026 7:58 م
WhatsApp Image 2026-01-28 at 7.35.36 PM

  ليث حبش – ملح الأرض

يطفو إلى السطح، وبشكلٍ مُستمر، خصوصا داخلَ الأوساطِ المسيحيّةِ في الأردنِّ، سؤالٌ باتَ مُلِحًّا، وهو: هل نشهدُ تراجعًا حقيقيًّا في وجودِ المسيحيّينَ في مناصبِ الدَّولةِ ومواقعِ القرار؟ أم أنَّ هذا الانطباعَ مرتبطٌ بتغيّراتٍ عامّةٍ تشهدُها الإدارةُ والسّياسةُ في البلاد، وتطالُ مختلفَ مكوّناتِ المجتمعِ دونَ استثناء؟

سؤالٌ لا ينطلقُ من شعورٍ بالغُبنِ بقدرِ ما يعكسُ قلقًا مشروعًا على الشراكةِ الوطنيّةِ، وعلى نموذجِ الدَّولةِ المدنيّةِ القائمةِ على المواطنةِ وتكافؤِ الفُرَص، وهو ما دفعَ مجلةَ ملحِ الأرض إلى فتحِ هذا الملفِّ عبرَ سلسلةِ مقابلاتٍ مع شخصيّاتٍ دينيّةٍ، وقانونيّةٍ، وإداريّةٍ، لمقاربةِ القضيّةِ من زوايا متعدّدة.

الباشا عماد معايعة

تراجعٌ واقعيٌّ أم قراءةٌ انطباعيّة؟

يذهبُ الباشا عماد معايعة في حديثه لـ ملح الارض إلى أنَّ الحديثَ عن تراجعِ الوجودِ المسيحيِّ في مناصبِ الدَّولةِ ليس مجرّدَ انطباعٍ أو مبالغةٍ إعلاميّة، بل يستندُ إلى واقعٍ ملموسٍ يمكنُ ملاحظتُه عند قراءةِ المشهدِ العامِّ، أو مراجعةِ الإحصاءاتِ – إن توفَّرت– أو مقارنةِ الحضورِ الحاليِّ بما كان عليه في مراحل سابقة.

ويرى معايعة أنَّ هذا التراجع يشملُ مواقعَ حكوميّةً وعسكريّةً وإداريّةً، ويكادُ يكونُ أكثرَ وضوحًا في المناصبِ العُليا، لافتًا إلى أنَّ غيابَ المسيحيّينَ عن مواقعَ سياديّةٍ مثلَ رئاسةِ الوزراءِ أو أعلى المراكزِ القياديّةِ العسكريّةِ يطرحُ تساؤلاتٍ مشروعة حولَ الأسباب، خاصّةً أنَّ هذا الغيابَ لا تُفسِّره القوانينُ أو الأنظمةُ المعمولُ بها في الدَّولة.

سُقوفٌ غيرُ مُعلَنَة… لا يُقِرُّها القانون

ويشيرُ اللواء معايعةُ إلى ما وصفه بـ«السُّقوفِ غيرِ المُعلَنَة» أو «اتفاقِ الجنتلمان» غيرِ المكتوب، والذي لا يظهرُ في النُّصوصِ القانونيّة، لكنَّه حاضرٌ في الممارسة. ويؤكّدُ أنَّ هذه السُّقوفَ لا تستندُ إلى تشريعٍ رسميٍّ، لكنّها تُقرأ بوضوحٍ في الواقعِ العمليِّ، حيثُ يبدو أنَّ الوصولَ إلى الصَّفِّ الأوّلِ في بعضِ المواقعِ يبقى محدودًا.

ويستحضرُ في هذا السّياقِ تجربةَ المرحومِ كريمِ باشا أوهان، الذي تولّى منصبَ مديرِ الأمنِ العامِّ، باعتبارِها حالةً نادرةً لم تتكرّر لاحقًا، ما عزَّزَ شعورًا عامًّا بوجودِ حدودٍ غيرِ مرئيّةٍ لطموحِ بعضِ الفئات، رغمَ كفاءتِها وخبرتِها.

الطموحُ المُقيَّدُ والانسحابُ المُبكِّر

ويشرحُ اللواء معايعة أنَّ إدراكَ هذه السُّقوفِ يدفعُ عددًا من المسيحيّينَ إلى الانسحابِ المُبكِّرِ من مسارِ الوظيفةِ العامّة، حينَ يشعرُ الفردُ أنَّ سقفَ طموحِه سيتوقّفُ عند مستوىً معيّن، مهما بلغَ من كفاءةٍ أو اجتهاد.

ويضيفُ أنَّ هذا الواقعَ يتركُ أثرًا مباشرًا على الحافزِ المهنيِّ، ويخلقُ فجوةً بينَ الطموحِ الشَّخصيِّ ومتطلّباتِ الاستمرارِ في الخدمةِ العامّة، ما ينعكسُ في نهايةِ المطافِ على حجمِ التمثيلِ في مواقعِ القرار.

الأبُ بولص حدّاد

البُعدُ الاجتماعيُّ والاقتصاديُّ: لماذا القطاعُ الخاص؟

من زاويةٍ مختلفة، يربطُ الأبُ بولص حدّاد هذا التراجعَ بتحوُّلاتٍ اجتماعيّةٍ واقتصاديّةٍ أوسع، معتبرًا أنَّ توجّهَ المسيحيّينَ نحوَ القطاعِ الخاصِّ ليس وليدَ اليوم، بل نتيجةَ تراكماتٍ طويلة. حسب ما أوضح لـ ملح الارض.

ويوضّحُ الأب حدّاد أنَّ ضعفَ الرواتبِ في الوظائفِ الحكوميّةِ خلالَ فتراتٍ سابقةٍ دفعَ كثيرينَ إلى البحثِ عن بدائلَ أكثرَ استقرارًا من النّاحيةِ الماليّة، ومع مرورِ الوقتِ ترسّخت فكرةُ أنَّ القطاعَ الخاصَّ هو الخيارُ الأفضل، حتّى بعدَ تحسُّنِ الأوضاعِ نسبيًّا في السَّنواتِ الأخيرة.

المدنُ تُغيِّرُ المعادلة

ويشيرُ الأبُ بولص إلى عاملٍ جغرافيٍّ لا يقلُّ أهميّة، يتمثّلُ في أنَّ غالبيّةَ المسيحيّينَ يتركّزونَ في المدن، حيثُ تسودُ ثقافةُ العملِ في القطاعِ الخاصِّ، بخلافِ المناطقِ الريفيّةِ التي لا يزالُ أبناؤُها أكثرَ ارتباطًا بالوظيفةِ الحكوميّة. ويرى أنَّ هذا التحوُّلَ لا يخصُّ المسيحيّينَ وحدَهم، بل يشملُ أبناءَ الوطنِ عمومًا، لكنّه يبدو أكثرَ وضوحًا داخلَ المجتمعِ المسيحيِّ.

الهجرةُ…نزيفُ الكفاءاتِ الصّامت

يبقى عاملُ الهجرةِ من أبرزِ أسبابِ تراجعِ الحضورِ المسيحيِّ في مؤسّساتِ الدَّولة. فبحسبِ متابعين، ينظرُ كثيرٌ من الشّبابِ المسيحيِّ إلى الخارجِ باعتبارِه أفقًا أوسعَ لتحقيقِ الطموحِ المهنيِّ والاستقرارِ الاقتصاديِّ، في ظلِّ فرصٍ محدودةٍ داخلَ القطاعِ العامِّ.

هذا النّزيفُ المستمرُّ للكفاءاتِ لا يقتصرُ على فئةٍ بعينِها، لكنّه يتركُ أثرًا مُضاعفًا على الأقليّاتِ العدديّة، حيثُ تصبحُ خسارةُ كلِّ كفاءةٍ أكثرَ تأثيرًا على التمثيلِ العامِّ.

الأرشمندريت د. بسّام شحاتيت

المقاربةُ القانونيّةُ واللاهوتيّة…المنصبُ خدمةٌ لا امتياز

من جهتِه، قدَّمَ الأرشمندريت د. بسّام شحاتيت قراءةً قانونيّةً ولاهوتيّةً معمّقةً للموضوع، مؤكّدًا لـ ملح الارض أنَّ مشاركةَ المسيحيّينَ في الحياةِ العامّةِ تستندُ إلى أساسٍ دستوريٍّ واضح، يتمثّلُ في المادّةِ السّادسةِ من الدّستورِ الأردنيِّ التي تنصُّ على المساواةِ التّامّةِ بينَ المواطنينَ دونَ تمييزٍ على أساسِ الدِّين.

ويشدِّدُ شحاتيت على أنَّ الإشكاليّةَ لا تكمنُ في النُّصوصِ القانونيّة، بل في التّطبيقِ العمليِّ، داعيًا إلى تعزيزِ مبدأِ تكافؤِ الفُرَص، واعتمادِ الكفاءةِ معيارًا وحيدًا للتّعيينِ والتّرقية، بعيدًا عن الواسطةِ أو الاعتباراتِ غيرِ المُعلَنَة.

البُعدُ المسيحيُّ للمسؤوليّةِ العامّة

لاهوتيًّا، يرى شحاتيت أنَّ المسيحيّةَ لا تتعاملُ مع المنصبِ العامِّ بوصفِه تشريفًا اجتماعيًّا، بل تكليفًا أخلاقيًّا وخدمةً للصّالحِ العامِّ، مستشهدًا بتعاليمِ السّيّدِ المسيحِ التي تربطُ السُّلطةَ بالمسؤوليّةِ والتّواضع. ويؤكّدُ أنَّ السّعيَ إلى المناصبِ لا يتناقضُ مع الإيمان، طالما كان الهدفُ الارتقاءَ بالحياةِ العامّةِ وخدمةَ الإنسان.

بينَ النّقدِ والإنصاف

ورغمَ كلِّ ما سبق، يُجمعُ من التقتهم ملح الأرض على ضرورةِ الإنصافِ في قراءةِ المشهد، إذ لا يمكنُ إنكارُ أنَّ الأردنَّ شهدَ، ولا يزالُ يشهد، حضورًا مسيحيًّا فاعلًا في العديدِ من المواقعِ الحسّاسة، وأنَّ شخصيّاتٍ مسيحيّةً لعبت أدوارًا وطنيّةً بارزةً في مختلفِ السُّلطاتِ والمؤسّسات.

غيرَ أنَّ هذا الحضورَ، وفقَ آراءٍ متعدّدة، يحتاجُ إلى مراجعةٍ جادّةٍ تضمنُ استدامتَه، وتعالجُ الاختلالاتِ بهدوءٍ ومسؤوليّة، ضمنَ إطارِ الدَّولةِ المدنيّةِ القائمةِ على الشّراكةِ والمواطنة.

يأتي هذا التقريرُ ضمنَ متابعةِ مجلةِ ملح الأرض المستمرّةِ لملفِّ المشاركةِ المسيحيّةِ في الحياةِ العامّة ،فقد سبقَ للمجلّةِ أن تناولت هذا الموضوعَ في مقابلةٍ خاصّةٍ مع القسِّ الدّكتور معتصم دبابنة، ناقشَ خلالها الأبعادَ الكنسيّةَ والاجتماعيّةَ للتراجعِ في المشاركةِ العامّة.

اقرأ أيضا: القس معتصم دبابنة لـ ملح الأرض: المسيحُ هو الأساسُ وتراجعُ الحضورِ المسيحيِّ قضيّةٌ وطنيّةٌ

كما كانت ملح الأرض قد فتحت هذا الملفَّ بشكلٍ مُبكِّرٍ في مقابلةٍ حصريّةٍ مع الصحفي نبيل غيشان مدير عام وكالة الأنباء الأردنية في العامِ الماضي وحققت المقابلة مشاهدات عالية، حيثُ كان أوّلَ من طرحَ القضيّةَ بوضوحٍ أمامَ قرّاءِ المجلّة الورقيّة والموقع الإلكتروني، واضعًا إيّاها في سياقٍ وطنيٍّ شامل.

أقرأ أيضا: نبيل غيشان لـ ملح الأرض: الصّحافة مهّدت الطّريق للنّيابة… وتراجُع الحضور المسيحيّ في وظائف الدّولة هو انسحابٌ طوعيٌّ لا إقصاء

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment