Skip to content

تفسير النبوات والإستخفاف بعقول النّاس- تدوير النبوات

تاريخ النشر: مارس 5, 2026 2:51 م
القس بسّام بنورة

القس بسّام بنورة

القس بسّام بنّورة

عند وقوع حدثٍ كبير، مثل الحرب الحاليّة في شرقنا الجريح، يسارع مفسرو النبوات إلى القول بأن ما يحدث هو تتممة لنبوة معينة مذكورة في الكتاب المقدس.

وعند وقوع حدث جديد، سيستخدمون نفس النبوة التي قالوا بانها تتممة للحرب الحاليّة على اعتبار أنّها تفسير للحدث الجديد.

إنّها قمة الاستخفاف بكلمة الله، وقمة الكذب والإفلاس والنَفاق من أجل سرقة أموال من يصدَقونهم من المؤمنين الشّرفاء والبسطاء.

يبرز أمامنا هنا سؤال جوهري: لماذا يكررون أساليبهم في الاستخفاف بالنّاس وخداعهم تحت يافطة الورع والإيمان وتفسير النّبوات؟

ان استخدام النّبوة بحجة أنّ ما حدث في مكان ما في العالم، وكأنّه تتمة لهذه النّبوة، أي بعد وقوع الحدث بدلًا من التنبؤ به قبل وقوعه، يعني بأنّ الحدث هو مقياس صدق النّبوة وليس العكس.

وفي حالات كثيرة، يكون عند مفسر النبوات انحياز أو قناعات مسبقة، ولذلك يبحث عن الشواهد والكلمات الّتي يعتقد بأنها تتّفق مع تفسيره الخاص، ويَقطَعُ أجزاءً من آية أو مجموعة من الآيات التي تؤيد فكرته المسبقة، بينما يتجاهل عمدًا أيّة تفاصيل في النبوة لا تنطبق على الواقع الجديد.

وغالبًا ما يتم استخدام نصوص عامة أو رمزية عن الحروب، أو الزلازل، أو الأوبئة، أو غيرها من الكوارث، وهي أحداث تتكرر بشكلٍ طبيعي عبر التاريخ البشري، مما يجعل النص مرنًا وصالحًا للاستخدام في كل وقت ومع كل أزمة.

كذلك يلجأ المخادعون من مفسّري النّبوات إلى ليّ عنق النص، وإسقاطٍ معانٍ جديدة عليه، بدلًا من استخراج المعنى من ذات النص، وذلك على أساس لغته وسياقه الكتابي أو التّاريخي.

ويقوم كثيرون بإقحام معانٍ خارجية وأسماء شخصيات معاصرة داخل النص ليجعلونه يبدو وكأنه يتحدث عن عصرٍ وحدثٍ معاصر.

لا يعود تكرار هذا السلوك إلى “الخداع” المتعمد فحسب، بل تحرك مفسّر النّبوات دوافع نفسية واجتماعية قوية مثل الحفاظ على السّلطة، والتأثير على النّاس من أجل أن يكتسب “المفسّر الملهم والعبقري” هالة من “الحكمة” أو “الاستنارة”.

هذا التميز يجذب الأتباع، ويزيد من نسب الانتشار والمشاهدات، ويحول المفسر إلى مرجع يلجأ إليه الناس في أوقات الذعر والقلق العالمي.

يكره النّاس العشوائية، ويخافون من تقلبات الظّروف، لذلك عندما يقدم مفسّر النّبوات رواية تقول بأن كل ما يحدث في العالم مكتوب عنه بدقة في الكتاب المقدّس، فإنه يمنح جمهوره شعورًا زائفًا بالأمان، موحيًا بأن التاريخ ليس فوضى، بل خطة مرسومة سلفًا يعرف هو خباياها.

ويعتمد المنافقون من المفسرين على حقيقة أن الجمهور غالبًا ما ينسى التفسيرات التي فشلت في الماضي وذلك بمجرد ظهور أزمة جديدة. فجاذبيّة أو قوة الحدث الجديد يطغى على التفكير النقدي في الإخفاقات السابقة.

وبما أن الكثير من النبوات مكتوبة بلغة رمزية ومجازيّة وصوريّة كثيفة، فإن ذلك يساعد المفسرون وجمهورهم على أن يروا فيها انعكاسًا لمواقفهم الأخلاقيّة واللّاهوتيّة والسّياسية والاجتماعية الخاصة.

في التفسير الرصين والامين، يتم الالتزام بالسياق الكتابي والتاريخي واللغوي، وتُعتبر النبوة رسالة أخلاقية أو روحية عابرة للزمن تهدف للإصلاح والخير والدّعوة للتّوبة وحياة القداسة.

أمّا في التفسير الانتهازي، أي المتغير حسب الاحداث، فيتم اقتطاع الآيات من سياقها وحصرها في شخصيات سياسية أو صراعات جغرافية مؤقتة لإثارة الذعر أو التجييش.

ويجد المفسر الانتهازي دائمًا مخرجًا له من تهمة الكذب والإحتيال، فإذا لم تتحقق النبوة الّتي طبقها على حدثٍ معيّن، يقول بأنّها “تأجلت” أو كانت “مجرد تمهيد لحدث أكبر”، وهذا ما يخرجه من نطاق المصداقية الفكرية.

بكلمات أخرى: يتم تدوير النبوات حسب المصالح والأحداث، فالنبوات المرتبطة بأمور أو كيانات غامضة مثل “جوج وماجوج” أو “بابل الجديدة” أو “معركة هارمجدّون” يتم اعادة تفسيرها في كل عصر من أجل تحقيق مكاسب مختلفة، وخصوصًا مادّية أو سياسيّة.

مع محبّتي

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment