
السابق وفاة الدكتور عطا الله منصور كبير الصحفيين الفلسطينيين في الناصرة (1934–2026)

ملحُ الأرض – ليث حبش
في السّنواتِ الأخيرة، لم يَعُد الذكاءُ الاصطناعيُّ مجرّدَ أداةٍ تقنيّة تُستخدمُ في مجالاتِ التّعليمِ أو العمل، بل باتَ حاضرًا بقوّةٍ في المساحاتِ الأكثرِ حساسيّةً في حياةِ الإنسان، ومنها الإيمانُ والدّينُ والحياةُ الرّوحيّة داخلَ المجتمعِ الكنسيّ. يطرحُ هذا التّحوّلُ أسئلةً عميقةً تتجاوزُ حدودَ «المعلومة» إلى جوهرِ العلاقةِ بينَ المؤمنِ والكنيسة، وبينَ الإنسانِ والله، في زمنٍ تتسارعُ فيه التّكنولوجيا بوتيرةٍ غيرِ مسبوقة.
يرصدُ التقريرُ أثرَ الذكاء الاصطناعي على المجتمعِ الكنسيّ من خلال ثلاثِ مقارباتٍ مختلفة، جمعت بين الرؤيةِ الرّعويّة، والخبرةِ اللاهوتيّة، والتّجربةِ الشّخصيّة لمؤثّرٍ دينيٍّ على مواقعِ التّواصلِ الاجتماعيّ، في محاولةٍ لفهمِ ما إذا كان الذكاءُ الاصطناعيُّ يقودُ إلى تعميقِ الإيمان… أم إلى إعادةِ تشكيلِه.

الذكاءُ الاصطناعيُّ: من الكتبِ الورقيّة إلى البحثِ الذكيّ
يشيرُ القسيسُ ذكران صلبشيان في مقابلةٍ لـ ملح الأرض إلى أنّ طريقةَ تفاعلِ المؤمنين مع المعلوماتِ الدّينيّة شهدت تحوّلًا واضحًا؛ فبعدَ أن كان الرّجوعُ إلى التّفاسيرِ الورقيّة والمراجعِ التّقليديّة هو المسارَ الأساسيّ، ثمّ لاحقًا الاعتمادُ على محرّكاتِ البحثِ مثل «غوغل» التي تقودُ إلى كتبٍ ومقالات، أصبحَ الذكاءُ الاصطناعيُّ اليوم نقطةَ البداية لدى شريحةٍ من الباحثين الجادّين.
ويشرحُ صلبشيان أنّ بعضَ المهتمّين باتوا يطرحون أسئلتهم مباشرةً على أدواتِ الذكاء الاصطناعي للحصول على صورةٍ عامّة، ثمّ يطلبون التّعمّقَ في فكرِ كاتبٍ معيّن، أو مذهبٍ مسيحيٍّ محدّد، أو مقارنةً بين رؤى لاهوتيّة مختلفة، ويضيف: “أنا شخصيًّا أستخدمُ الذكاءَ الاصطناعيَّ عندما أكونُ قد قرأتُ فكرةً سابقًا ولا أتذكّرُ أين وردت أو كيف صيغت، فيقدّمُ لي المعلومةَ ويشيرُ إلى مراجعَ متعدّدة، وهذا يسهّلُ كثيرًا كتابةَ الأبحاث”.
ويؤكّدُ أنّ هذا الاستخدامَ يخدمُ بالدرجةِ الأولى الباحثين الجادّين، بينما تبقى محرّكاتُ البحثِ التّقليديّة مناسبةً لمن يبحثُ عن معلومةٍ سريعة أو آيةٍ محدّدة.
هل يُهدّدُ الذكاءُ الاصطناعيُّ العلاقةَ بين المؤمنِ والكنيسة؟
على عكسِ المخاوفِ السّائدة، يرى القسيسُ ذكران صلبشيان أنّ الذكاءَ الاصطناعيَّ لا يُضعِفُ العلاقةَ بين المؤمنِ والكنيسة، بل قد يُعزّزُها إذا أُحسِنَ التّعاملُ معه، ويقول إنّ الخوفَ من كلِّ جديدٍ ليس حلًّا، فالتّكنولوجيا، كغيرِها من الأدوات، تحملُ وجهًا إيجابيًّا وآخرَ سلبيًّا.
ويضيفُ أنّ اكتشافَ المؤمنِ بأنّ كنيستَه لا تخافُ من الأسئلة ولا من التّكنولوجيا يُعزّزُ ثقتَه بها، خاصّةً في زمنٍ تتكاثرُ فيه التّساؤلاتُ الوجوديّة واللاهوتيّة. كما يُشدّدُ على أنّ الذكاءَ الاصطناعيَّ يفرضُ على الكنيسةِ مسؤوليّةً مضاعفة، إذ لم يَعُد مقبولًا الاكتفاءُ بإجاباتٍ سطحيّة لا تُشبِعُ فضولَ مؤمنِ القرنِ الحادي والعشرين.
ويُحذّرُ من حالاتٍ قد تؤدّي فيها الأسئلةُ غيرُ المُجابة إلى ابتعادِ المؤمنين عن الكنيسة، مستشهدًا بقصصٍ واقعيّة لأبناءٍ لم يجدوا لدى أهلهم أو محيطهم إجاباتٍ كافية حول الإيمانِ والكتابِ المقدّس. ومن هنا، يدعو صلبشيان الرّعاةَ والمسؤولين إلى التّسلّحِ بالمعرفة، وتسخيرِ التّكنولوجيا في خدمةِ الإيمان، لا الهروبِ منها.

تجربةٌ شخصيّة: الذكاءُ الاصطناعيُّ بين النّعمة والخطر
من زاويةٍ مختلفة، يقدّمُ مؤثّرٌ على مواقعِ التّواصلِ الاجتماعيّ في مجالِ الدّينِ المسيحيّ (السّاقي) شهادةً شخصيّة تعكسُ التّحوّلَ العميق في طريقةِ البحثِ الإيمانيّ. يقول لـ ملح الأرض إنّه في السّابق كان محصورًا بين الكتبِ المسيحيّة وما يسمعه من الكهنة، وغالبًا ما كان يتوقّفُ عن طرحِ الأسئلة عند حدودٍ معيّنة خوفًا من التّعقيد.
لكن مع اكتشافِه للذكاء الاصطناعي تغيّرت التّجربةُ بالكامل: “الصّدمة كانت في أوّل مرّة فتحتُ فيها مواضيعَ دينيّة مع الذكاء الاصطناعي… أنت أمام منظّرٍ محترف، يعرفُ تفاصيلَ معتقدك، ويردُّ على الإشكالات، بل ويطوّرُ ردودًا على ردوده الأولى”.
ويضيفُ أنّ الذكاءَ الاصطناعيَّ اختصرَ عليه أشهرًا طويلة من القراءة، حتّى في أعمالٍ لاهوتيّة ضخمة كـ«الخلاصة اللاهوتيّة» للقدّيس توما الإكويني، مقدّمًا ملخّصاتٍ مركّزة وأفكارًا دقيقة، ويصفُ هذه الأداة بأنّها «نعمةٌ كبيرة من الله» تفتحُ بابًا واسعًا للتّعمّق.
إلّا أنّ هذه النّعمة، بحسب تعبيره، تحملُ في طيّاتها خطرًا حقيقيًّا: تراجعَ الرّغبةِ في القراءة، والشّعورَ أحيانًا بعدم الحاجة إلى شركةِ المؤمنين أو حتّى إلى الصّلاة. وهنا يستشهدُ برسالةِ العبرانيّين: «غيرَ تاركين اجتماعَنا كما لقومٍ عادة…»، مؤكّدًا أنّ الذكاءَ الاصطناعيَّ لا يمكنُ أن يكون بديلًا عن الجماعة، ولا عن اللقاءِ الحيّ مع الله.

الإرشادُ الرّوحيّ: العلاقةُ التي لا يُعوّضها الذكاءُ الاصطناعي
الأبُ بشير بدر يضعُ النّقاشَ في سياقه الرّعويّ والإنسانيّ الأوسع مع ملح الأرض، فهو يُقرّ بأنّ التّطوّرَ التّقنيَّ والإنترنت فتحا أمام المؤمنين مجالًا واسعًا للبحثِ والانتقاء، ولم يَعُد الكثيرون يعتمدون حصريًّا على الكنيسة أو رجالِ الدّين للحصول على المعلومة الدّينيّة.
لكن في ما يخصُّ الإرشادَ الرّوحيّ، يؤكّدُ بدر أنّ الذكاءَ الاصطناعيَّ لم، ولن، يُلغِي الحاجةَ إلى اللقاءِ الشّخصيّ. فمهما بلغت دقّةُ الأجوبة التي يقدّمُها، تبقى «مموّهة»، لأنّ الإنسان لا يبحثُ فقط عن معلومة، بل عن علاقة، عن وجهٍ وصوتٍ وحضور.
ويشيرُ إلى أنّ الكنيسة ما زالت تحتفظُ بدورها الأساسيّ في هذا المجال، لأنّ الإيمانَ المسيحيَّ في جوهره لقاءٌ حيّ مع الرّب، وليس تفاعلًا عن بُعد. ويضيفُ أنّ استبدالَ العلاقاتِ الإنسانيّة بعلاقاتٍ مع «روبوتات» قد يُهدّدُ النّسيجَ الإنسانيّ والثّقافيّ والدّينيّ، ليس فقط داخلَ الكنيسة، بل داخلَ العائلة نفسها.
بين الاستهلاكِ السّلبيّ والتّفكيرِ النّقديّ
في ما يتعلّق بتأثيرِ الذكاء الاصطناعي على الحياةِ الرّوحيّة، يُحذّرُ الأبُ بشير بدر من تحوّلِ المؤمنين، خصوصًا الشّباب، إلى مستهلكين سلبيّين للمعلومات، يكتفون بتلقّي أجوبةٍ جاهزة قد تكونُ متحيّزة فكريًّا أو أيديولوجيًّا.
ويستشهدُ برسائلَ بابويّة تُحذّر من محتوى «منتج ومجهول الهويّة»، قد يكون بلا روحٍ ولا قلب، إذا لم يُرافقه جهدٌ شخصيّ في التّفكيرِ والتمييز. فالإيمان، بحسبه، ليس تراكُمًا للمعلومات، بل مسيرةٌ ووعيٌ ومسؤوليّة.
دورُ الكنيسة… مسؤوليّة، تعاون، وتربية
في ختامِ المقابلات، يبرزُ إجماعٌ واضح على دورِ الكنيسة في توجيهِ الاستخدامِ الواعي والمتوازن للذكاء الاصطناعي. يرى القسيسُ ذكران صلبشيان أنّ على الكنيسة ألّا تخافَ من هذه الأدوات، بل أن تبادرَ إلى التّعاون مع منصّاتٍ تقدّمُ محتوى مسيحيًّا موثوقًا، مشيرًا إلى تجاربَ ناشئة في هذا المجال.
أمّا الأبُ بشير بدر، فيضعُ هذا الدّور ضمن ثلاثِ ركائزَ أساسيّة:
المسؤوليّة الأخلاقيّة في تطويرِ واستخدامِ التّكنولوجيا،
والتّعاون في تقديمِ المعرفة والخير مع احترامِ الكرامة الإنسانيّة،
والتّربية على التّفكير النّقديّ، لا سيّما بين الشّباب، لتمكينهم من التّمييز بين المعلومات والبيانات التي يُنتجها الذكاء الاصطناعي.
ويؤكّدُ أنّ هذه التّربية قد تصبحُ جزءًا من مناهجِ التّعليم مستقبلًا، لما تحمله من أبعادٍ أنثروبولوجيّة ولاهوتيّة وتربويّة تمسُّ جوهرَ الإنسان وإيمانه.
بين الأداةِ والإيمان
ما بين الحماسةِ والحذر، يتّضحُ أنّ الذكاءَ الاصطناعيَّ ليس عدوًّا للإيمان، ولا بديلًا عن الكنيسة، بل أداةٌ جديدة تفرضُ أسئلةً جديدة. استخدامُه قد يفتحُ آفاقًا واسعة للبحثِ والتّعمّق، لكنّه في الوقت نفسه يُذكّرُ الكنيسة والمؤمنين بأنّ الإيمان، في جوهره، علاقةٌ حيّة، ولقاء، ومسؤوليّة لا يمكن اختزالها في إجابةٍ ذكيّة مهما بلغت دقّتُها.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!