Skip to content

بيض عيد القيامة: رحلةٌ تاريخيّةٌ من حفظ الطّعام إلى رمزيّة الحياة المُتجدِّدة

تاريخ النشر: أبريل 11, 2026 8:30 ص
634917_0

ليّلى قرقور – ملح الأرض

يُعدّ سلق البيض وتلوينه من أبرز طقوس الاحتفال بعيد القيامة حول العالم. فقد تحوَّل هذا الفعل البسيط بمرور الزّمن من مُجرّد “وسيلةٍ لحفظ الطّعام” إلى رمزٍ دينيٍّ وثقافيٍّ عميقٍ يحمل رسائل الرّجاء والفرح.

لم يبدأ سلق البيض كطقسٍ احتفاليٍّ، بل كانَتْ له غايةٌ عمليّةٌ بحتة تزامنَتْ مع طقوس الصوم، ففي القرون المسيحيّة الأولى، كانت قوانين “الصّوم الكبير” صارمةً للغاية، حيث امتنع المسيحيّون عن تناول اللُّحوم ومنتجات الألبان والبيض طيلة فترة الصوم. وبما أنَّ الدّجاج كان يستمرّ في وضع البيض، لجأ النّاس إلى سلق البيض كوسيلةٍ لحفظه من الفساد لأسابيع حتّى يحلّ العيد.


ومع اقتراب يوم القيامة “الفصح”، كان النّاس يجمعون هذا البيض المسلوق ويقومون بتلوينه – باستخدام موادٍ طبيعيّةٍ كقشور البصل والزّهور– لتمييزه عن البيض النيئ، ولإضافة طابعٍ احتفاليٍّ يُعبِّر عن الفرح بانتهاء فترة الزُّهد والصّوم.


أما اليوم في عصرنا الحالي، ورغم تنوُّع أشكال الاحتفال وظهور بيض الشوكولاتة والبيض البلاستيكي المليء بالحلوى، لا يزال سلق البيض الطّبيعيّ وتلوينه بالألوان الصناعيّة أو الطّبيعيّة تقليدًا عائليًّا دافئًا تتوارثه الأجيال، يجمع أفراد الأسرة عشيّة العيد في نشاطٍ فنيٍّ يربط حاضرهم بتاريخهم.

لو سألنا لماذا البيض تحديداً وما الرمزية الروحية؟ ففي المسيحية، يحمل البيض دلالاتٍ روحيّةً تتطابق مع قصّة القيامة:


القبر الفارغ: تبدو البيضة من الخارج كجسمٍ صلبٍ وجامدٍ يُشبه القبر المُغلق، ولكن بداخلها حياةٌ كامنةٌ تنتظر اللّحظة المُناسبة لتخرج إلى النّور.


الحياة الجديدة: يرمز خروج الصوص الصغير بعد كسره للقشرة إلى خروج السيّد المسيح من القبر منتصرًا على الموت، مبشِّرًا ببداية حياةٍ جديدةٍ ومشرقةٍ للبشريّة.

إلى جانب التاريخ العمليّ، توجد روايةٌ دينيّةٌ شهيرةٌ تفسِّر ارتباط البيض باللّون الأحمر. يُقال إنَّ مريم المجدليّة ذهبت إلى روما لمقابلة القيصر “تيبيريوس” لتبشِّره بقيامة المسيح، وقدَّمَتْ له بيضةً بيضاء كهديةٍ. فسَخر القيصر من كلامها قائلًا إنَّ قيامة ميّتٍ من قبره مستحيلةٌ كاستحالة تحوُّل هذه البيضة البيضاء إلى اللّون الأحمر، يُروى أنَّ البيضة تلوَّنَتْ باللّون الأحمر القاني فورًا أمام عينيه كدليلٍ على صدق بشارتها.

تكتسي بيضات العيد بألوان متعددة، وكل لونٍ يحمل رسالةً وراءه، فالأحمر هو اللّون التقليديّ والأهم، يرمز إلى دم المسيح الذي سُفك، وإلى الفرح والانتصار بالقيامة. أمّا الأصفر يرمز إلى النور الإلهيّ، والشمس، والمجد، ويبعث على البهجة والإشراق. واللّون الأخضر يُعبِّر عن النمو، والحياة الجديدة، والأمل المرتبط بتجدُّد الطّبيعة في فصل الربيع. الأزرق يرمز إلى السماء، والهدوء، والسمو الروحيّ، والسّلام الدّاخليّ. أخيرًا الأرجواني لون الملوك، ويرمز أيضًا للتوبة، وعادةً ما يرتبط بفترة الصّوم الاستعداديّة الّتي تسبق العيد.

في النهاية، يظلُّ بيض العيد رسالةً بصريّةً بسيطةً وجميلةً، تُذكِّرنا دائمًا بأنَّ النّور يغلب الظُّلمة، وأنَّ الحياة قادرةٌ على الانبثاق من قلب السُّكون.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment