Skip to content

بيرزيت وعيونها المائية: ترجيح كونها إحدى محطات عودة العائلة المقدسة من مصر إلى فلسطين

عدد القراءات: 651
تاريخ النشر: يناير 3, 2026 4:07 م
WhatsApp Image 2026-01-03 at 4.03.03 PM

بقلم : عزات حنانيا
باحث وناشط في التراث الثقافي الفلسطيني

عزات حنانيا

حين أسير في بيرزيت، لا أشعر أنني أمشي فوق أرضٍ عادية، بل فوق طبقاتٍ متراكمة من الذاكرة. هنا، بين الحجارة والينابيع، تكمن حكايات لم تُدوَّن في الكتب، لكنها ما زالت حيّة في تضاريس المكان. واحدة من هذه الحكايات هي رحلة العودة؛ عودة العائلة المقدسة من مصر إلى فلسطين. وأجدني، كابنٍ لبيرزيت، أميل إلى ترجيح أن تكون بلدتي إحدى محطاتها الجغرافية والروحية المهمة، لا بدافع الانحياز، بل استنادًا إلى ما تتمتع به من موقع استراتيجي وتضاريس مناسبة، ووقوعها على مسار رابط بين القرى والطرق القديمة.

نداء العودة

لطالما استوقفتني لحظة عودة العائلة المقدسة كما وردت في الإنجيل المقدس؛ تلك الرؤيا التي تلقّاها يوسف النجار، يأمره فيها بالعودة إلى فلسطين بعد سنوات اللجوء في مصر، حفاظًا على الطفل يسوع. أتخيّل هذه العودة مسيرة إيمان شاقّة، تعبر صحراء سيناء، ثم تتسلّق تلال فلسطين الوسطى. ومع كل قراءة للنص، كنت أعود إلى الأرض ذاتها، محاولًا أن أرى ما رآه العابرون قبل آلاف السنين، وأن أربط بين الكلمة المقدسة والجغرافيا الصامتة.

لماذا بيرزيت؟

في تأملاتي لمسارات الطرق القديمة، يبرز الطريق الروماني الذي ربط جنوب فلسطين بشمالها، وهو طريق لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن الحركة والتنقّل في تلك الحقبة التاريخية. هذا الطريق، كما تُشير قراءة المكان، يمرّ حتمًا عبر تلال بيرزيت.

وتتناقل قرية جفنا المجاورة رواية شعبية تتحدث عن استراحة العائلة المقدسة فيها تحت شجرة تين. ومن هنا، أحاول استكمال خريطة هذا المسار، مقترحًا أن تكون العائلة قد تابعت طريقها شمالًا نحو بيرزيت، وتوقفت عند إحدى عيونها المائية، قبل أن تواصل المسير إلى عابود، ومنها إلى محطتها المقصودة: الناصرة.

قد أربط هذه الفكرة بـ“عين فليفلة” تحديدًا، وربما أكون مخطئًا في التعيين، لكن ما أؤمن به أن إحدى عيون بيرزيت كانت شاهدة على هذا المرور المقدس.

عيون الماء… لغة المكان

لا يمكن الحديث عن بيرزيت دون التوقّف عند عيونها المائية. فقد عُرفت البلدة عبر تاريخها بوفرة مياهها؛ عيون طبيعية متقاربة إلى حدّ يدهش زائرها. ففي المنطقة الواقعة شمال البلدة القديمة، تكاد العيون تتجاور، إذ لا تتجاوز المسافة بين “عين فليفلة” و“عين الحمّام” نحو مئة متر فقط.

هذه الكثافة المائية لم تكن تفصيلًا عابرًا، بل جعلت من المكان واحة استراحة طبيعية للقوافل والمسافرين عبر العصور.

وأحيانًا، وأنا أقف قرب هذه العيون، أترك للخيال فسحته. أتخيّل السيدة العذراء وهي تسقي طفلها من ماء عينٍ باردة، تستظل بأشجار المكان، وتستجمع قواها قبل متابعة الرحلة الطويلة نحو الناصرة. لا أتعامل مع هذا المشهد كحقيقة تاريخية مثبتة، بل كتوافق إنساني وجغرافي بين حاجة العابرين إلى الماء، وحاجة الأرض إلى أن تبوح بما تختزنه من ذاكرة.

المكان بوصفه ذاكرة حيّة

حين نعيد النظر في هذه المحطات، نعيد الاعتبار لفلسطين بوصفها أكثر من جغرافيا. إنها أرض تلاقت فيها طرق البشر مع مسارات القداسة، وتشكّلت فوقها ذاكرة لا تزال تنبض في الحجر والماء.

خاتمة شخصية

بالنسبة لي، ستبقى “عين فليفلة” وأخواتها من عيون بيرزيت أيقونات تراثية مفتوحة على التأمل. قد لا أملك الدليل التاريخي القاطع، لكننا نملك الأرض والماء والطريق، وكلّها شواهد لا يمكن تجاهلها. إنها دعوة لإعادة اكتشاف مكاننا، لا بوصفه مجرد مساحة نعيش عليها، بل كمهدٍ للقداسة، وممرٍّ للرسالات، وذاكرة حيّة تسكن قلب التاريخ

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment