
السابق أخبار الناس: كتّاب ومنيّر وأبو نصّار ورابطة مسيحي الشرق في الأردن

أجرى اللقاء داود كُتّاب
يؤكّدُ المفكّرُ الإنجيليُّ اللبنانيُّ هنري عون في مقابلةٍ حصريّة، أُجريت معه في أواخر شهر شباط الماضي، أنّ القيادةَ في الكنائس ليست مجرّدَ مكانة، بل مسؤوليّةٌ أخلاقيّةٌ تتطلّب الوداعةَ والخدمةَ والتواضع، لا التكبّرَ والدكتاتوريّة.
ويركّز عون في طرحهِ على أهميّةِ الوداعة، مؤكّدًا ضرورة أن تتقارن مع الشفافيّة والحوكمة السليمة. ويقول: “إنّ احتكار المعلومات هو قوّة” لدى البعض. هذا الواقع يفسّر، كما يقول عون، سبب غياب الشفافيّة في الإعلان العلني عن الميزانيّات وتقارير الأداء داخل الكنائس: “لا توجد شفافيّة في كنائسنا في المشرق؛ لا تُنشر الميزانيّات على الإنترنت.” وفي هذا الإطار، فإنّ هذه الثقافة السارية في غالبيّة الكنائس الإنجيليّة غير متطابقة مع قيم الإنجيل؛ فالمسيحيّة تدعو إلى خدمة الآخرين والتواضع، وليس إلى التلاعب بالسلطة.
عبرَ الحوار، يقدّمُ عون حجّةً قويّةً حول ضرورة الشفافيّة باعتبارها شرطًا لبناء الثقة بين المؤمنين والقادة، ويقول بشكلٍ صريح: “الشفافيّة ليست ترفًا؛ هي مسؤوليّة.” وفي أمثلةٍ محليّة، يربط بين الشفافيّة ومساءلة القادة من خلال قصصٍ حيّة، مثل قضيّة الأخ الذي استقال من مجلس الكنيسة بسبب غياب المحاسبة والوثائق، قائلًا إنّ النظام يعزّز ذلك: “ما دام هناك نظامٌ داخليٌّ إداريٌّ وماليّ، يجب أن تُوثَّق المصروفات حتى لو كانت يورو واحدًا.”
ويؤكّد عون أنّ “مفهوم قداسة جميع المؤمنين” يفرض المساواة في الكرامة، ولكن “كلّ عضوٍ له وظيفةٌ مختلفة في الجسد المسيحي.” هذه الرؤية تؤسّس لمزجٍ بين الحوكمة الرشيدة وتمكين المواهب المختلفة: “القادة ليسوا أعلى من البقيّة، بل القيادة أداةٌ لخدمة الجماعة.”
أمّا في موضوعِ المرأةِ والقيادة، فهناك توازنٌ دقيق: يرى عون أنّه يمكن أن تقودَ النساءُ في مجالاتٍ محدّدةٍ حيث يتفوّقن، لكنّه يرفض فكرة الرسامة والتراتبيّة الكنسيّة العليا للمرأة كقائدةٍ روحيّة. وفي الوقت نفسه يبرز أهميّة التشارك بين الأزواج في قرارات التربية والتعليم، مع استحضار مثال زوجته التي قال إنّها “كانت ذكيّةً وملاحِظة، وبتقديرٍ عميق ساعدتني في كثيرٍ من الحالات.”
وفي موضوع الشباب، يقدّر عون قدراتهم المعرفيّة المعزَّزة بوسائل التواصل الحديثة، مع بروز تحذيرٍ حول نقص الخبرة. ويشدّد عون على أنّه يجب إعطاء فرصةٍ للشباب في القيادة، مع ضرورة استشارة الحكماء، لأنّ الخبرة التي يملكها الأوّلون لا تقلّ أهميّةً عن المعرفة التي يمتلكها الشباب.
وعلى صعيدِ السياسةِ العامّة، يرى عون أنّ للكنيسة مكانةً في المجتمع لا بدّ أن تجد فيها صوتًا صحيًّا. ويذكر أنّ هناك قضايا عدالةٍ مرتبطةً بالفساد والظلم الاقتصادي في لبنان، وفي غزّة الفلسطينيّة، يتبنّى موقفًا يحثّ على الشجاعة والوقوف إلى جانب الضحايا والدعوة إلى حلولٍ من أجل العدالة. ومع ذلك، يحذّر من أنّ بعض المسائل السياسيّة قد تُثار بشكلٍ يهدّد الوحدة، ويبرز أنّ الكنيسة يجب أن تكون “متّفقةً عند القضايا الكتابيّة”، لكن يمكنها أن تختلف عند قضايا السياسة.
ختامًا، يؤكّد عون أنّ التعليم اللاهوتي في كليّات اللاهوت والكنائس المحليّة لا يكفي وحده؛ فالتعليم العميق ووجود قنواتٍ شفّافةٍ للمحاسبة يسهّلان التغيير. وفي سؤالٍ عن التحدّيات المستقبليّة، يطرح فكرة “المشاركة الشفّافة”: عندما تتيح الكنيسة فرصًا للشباب وتستمع إلى حكمائها، فإنّ ذلك يرسّخ نموذجًا في القيادة؛ قيادةً ترتكز على الوداعة والخدمة والشفافيّة، لا على الاستبداد والسرّيّة.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!