
السابق نور المسيح يضيء وجوه وقلوب طلاب مدرسة لاتين ماركا في احتفال “عيد التقدمة”

ليث حبش– ملح الأرض
في وقتٍ تتكاثرُ فيه الأسئلةُ حولَ دورِ المرأةِ في الكنيسةِ، وحدودِ مشاركتِها، وطبيعةِ حضورِها في الفضاءِ الكنسيِّ، تتقدّمُ تجاربٌ نسائيةٌ حيّةٌ لتكسرَ الصورَ النمطيةَ، وتؤكّدَ أنَّ المرأةَ لم تكنْ يومًا على هامشِ الرسالةِ، بل في صُلبِها من التربيةِ، إلى الرعايةِ الرعويّةِ، إلى القيادةِ الشبيبيةِ، وصولًا إلى المشاركةِ في صنعِ القرارِ الكنسيِّ على المستوى العالميِّ، حيث تتشكّلُ صورةٌ متكاملةٌ لنساءٍ يعشنَ الإيمانَ كدعوةٍ ومسؤوليةٍ وشهادةٍ.
في ثلاثَ تجاربَ نسائيةٍ مختلفةً في الشكلِ، متكاملةً في الجوهرِ، نكشفُ عن عمقِ حضورِ المرأةِ في الكنيسةِ، وعن دورِها الفاعلِ في خدمةِ الإنسانِ والمجتمعِ، كلٌّ من موقعِها ومسؤوليتِها.

التربيةُ كرسالةٍ… والراهبةُ شاهدةٌ للإنجيلِ
في مدينةِ العقبةِ، حيثُ تتقاطعُ الجغرافيا مع التنوّعِ الاجتماعيِّ، تعيشُ الأخت عفاف فريد الرباح دعوتَها الراهباتيةَ والتربويةَ في آنٍ واحدٍ، تنتمي الأختُ عفاف إلى رهبانيةِ الراهباتِ الباسيلياتِ الشويرياتِ في لبنانَ، وتحملُ الجنسيةَ الأردنيةَ، وتشغلُ حاليًا منصبَ رئيسةِ مدرسةِ دارِ اللطف، التابعةِ لطائفةِ الرومِ الملكيين الكاثوليك في الأردنِ.
ترى الأختُ عفاف في مقابلتِها مع ملح الأرض عملَها التربويَّ أكثرَ من وظيفةٍ إداريةٍ أو تعليميةٍ، بل رسالةً كنسيةً متكاملةً فدورُها لا يقتصرُ على الإشرافِ الأكاديميِّ والتنظيميِّ، بل يمتدُّ إلى بناءِ الإنسانِ، من خلالِ غرسِ القيمِ الإنجيليةِ في نفوسِ الطلبةِ، كالمحبةِ، والتسامحِ، والعيشِ المشتركِ، وقبولِ الآخرِ، واحترامِ الكرامةِ الإنسانيةِ.
وتؤكدُ أنَّ التربيةَ، في سياقِها الكنسيِّ، لا تنفصلُ عن رسالةِ الكنيسةِ، بل تشكّلُ إحدى ساحاتِها الأساسيةِ، فالمؤسساتُ التربويةُ، ولا سيما المسيحيّةُ منها، هي المساحةُ التي تُنقلُ فيها القيمُ، وتُترجمُ فيها الرسالةُ الإنجيليةُ إلى سلوكٍ يوميٍّ وحياةٍ معاشةٍ، وترى أنَّ أيَّ فصلٍ بين التربيةِ ورسالةِ الكنيسةِ من شأنِهِ أنْ يُضعفَ الدورينِ معًا.
إلى جانبِ عملِها المدرسيِّ، تقومُ الأختُ عفاف بدورٍ راعويٍّ فاعلٍ في رعيةِ العقبةِ، من خلالِ المشاركةِ في الصلواتِ الليتورجيةِ، والقداديسِ، والحركاتِ الرعويةِ، إضافةً إلى إلقاءِ محاضراتٍ روحيةٍ وتربويةٍ، والإشرافِ على التعليمِ المسيحيِّ، الذي تعتبرُهُ ركيزةً أساسيةً في الحفاظِ على الهويةِ الإنجيليةِ في زمنِ التحدياتِ.
وتشيرُ إلى أنَّ حضورَها في المدرسةِ يضعُها في صُلبِ عمليةِ اتخاذِ القرارِ التربويِّ، حيثُ يُصغى إلى رأيِها ليس فقط بصفتِها الإداريةِ، بل بصفتِها راهبةً منطلقةً من دعوتِها، تحملُ بُعدًا قيميًا ورساليًا، وتغليبًا للمصلحةِ العامةِ.

زوجةُ الكاهنِ… شريكةٌ في الخدمةِ لا في الظلِ
في رعيةِ القديسين بطرس وبولس للروم الملكيين الكاثوليك، يتجلّى حضورُ المرأةِ من زاويةٍ مختلفةٍ، لكنها لا تقلُّ عمقًا وتأثيرًا، الخورية هلدا حنين بدره، زوجةُ الأبِ الإيكونومس وليم سويدان، تعيشُ منذُ عامِ 1999 تجربةَ الشراكةِ اليوميةِ مع كاهنٍ في خدمةِ الكنيسةِ.
تقولُ الخوريةُ هلدا لـ ملح الأرض إنَّ هذه الرسالةَ لم تكنْ سهلةً، فكونُها زوجةَ كاهنٍ يعني أنْ تكونَ حاضرةً في تفاصيلِ العملِ الرعويِّ، من تنظيمِ شؤونِ الكنيسةِ، إلى دعمِ النشاطاتِ المختلفةِ، ولا سيما الأخوياتِ، الشبيبةِ، وجوقةِ الترتيلِ وهي ترى أنَّ دورَها لا يُختزلُ في المساندةِ اللوجستيةِ، بل في المشاركةِ الفعليةِ في بناءِ الجماعةِ الكنسيةِ.
وتولي اهتمامًا خاصًا بخدمةِ الشبيبةِ، التي شهدتْ عبرَ السنواتِ أجيالًا متعاقبةً نشأتْ في الكنيسةِ، وتزوجتْ، وعادتْ اليومَ مع أبنائِها وتضمُّ الشبيبةُ الحاليةُ عشراتِ الشبابِ والشاباتِ من أعمارٍ مختلفةٍ، يحتاجونَ إلى الرعايةِ، والتشجيعِ، والعملِ المشتركِ بروحِ المحبةِ والعطاءِ.

وتعترفُ الخوريةُ هلدا بوجودِ تحدياتٍ وصعوباتٍ، لكنها تؤكدُ أنَّ الخدمةَ، رغمَ أثقالِها، تُعاشُ بفرحٍ، وبثقةٍ أنَّ العملَ المشتركَ، عندما يقومُ على الإيمانِ، قادرٌ على الاستمرارِ والنموِ بالنسبةِ لها، المرأةُ في الكنيسةِ ليست عنصرًا ثانويًا، بل شريكٌ أساسيٌّ في الحياةِ الرعويةِ، وحلقةُ وصلٍ حيويةٌ بين الكاهنِ والجماعةِ.
وفي سياقِ التفاعلِ العائليِّ مع حضورِ الشبيبةِ في الحياةِ الكنسيّةِ، تنقلُ الخوريّةُ هلدا حنين بدره شهادةً لإحدى الأمهاتِ، عبّرت فيها عن فرحِها بما تشهدُهُ الرعيّةُ من مشاركةٍ متزايدةٍ للشبيبةِ وخُدّامِ الهيكلِ في القدّاسِ الإلهيِّ، مؤكِّدةً أنّ قدّاسَ يومِ الأحدِ بات يُشعِرُ العائلاتِ بالفرحِ والاطمئنانِ، ويمنحُهم إحساسًا متجدّدًا ببدايةِ يومٍ جديدٍ قائمٍ على الاتّكالِ على الربِّ ورعايتِه الدائمةِ وأشارت الأمُّ إلى أنّ رؤيةَ الشبيبةِ ومشاركتَهم في التراتيلِ شكّلت شعورًا مميّزًا يعكسُ رعايةً واهتمامًا حقيقيَّينِ بهم، كما عبّرت عن سعادتِها الكبيرةِ بمشاركةِ خُدّامِ الهيكلِ في قراءةِ الطلباتِ، معتبرةً أنّ هذا الدور، وإنْ لم يكنْ لها ابن من بينِهم، يُجسِّدُ اهتمامًا تربويًّا يسهمُ في تنميةِ شخصيّاتِ الأولادِ والشباب، ويُقرِّبُهم من تعاليمِ المسيحِ. وختمتْ شهادتَها بتوجيهِ الشكرِ والتقديرِ للخوريّةِ هلدا، مؤكّدةً أنّ هذا الشعورَ بالسعادةِ تشتركُ فيه العائلاتُ كلُّها، لما لهذا الاهتمامِ من أثرٍ إيجابيٍّ عميقٍ في حياةِ الرعيّةِ.

من الرعيةِ إلى روما… امرأةٌ شابةٌ وصوتٌ مشرقيٌّ
أما التجربةُ الثالثةُ، فتنقلُنا إلى بعدٍ آخرَ من حضورِ المرأةِ في الكنيسةِ، يتمثّلُ في القيادةِ الشبيبيةِ والمشاركةِ في القرارِ الكنسيِّ على مستوى الكنيسةِ الجامعةِ لينا طشمان، علمانيةٌ أردنيةٌ، درست دكتور صيدلة، وبدأت مسيرتَها الكنسيةَ في شبيبةِ قلبِ يسوعَ في تلاعِ العلي عامَ 2006.
تدرّجت طشمان في خدمةِ الشبيبةِ، وتولّت مسؤولياتٍ مختلفةً، وصولًا إلى مسؤوليةِ شبيبةِ الرومِ الملكيينَ الكاثوليك في الأردن عام 2016. وتؤكدُ أنَّ الطريقَ لم يكنْ سهلاً، خصوصاً في بداياتِ العملِ التنظيميِّ، لكنَّ التجربةَ شكّلت محطةً أساسيةً في تكوينِ شخصيتِها، وتعزيزِ مهاراتِ القيادةِ، والعملِ الجماعيِّ، وحلِّ المشكلاتِ.
وتشيرُ لينا طشمان في حوارِها لـ ملح الأرض إلى أنَّها لم تشعرْ يومًا بأنَّ كونَها امرأةً شكّل عائقاً في تعاملِها مع الشبيبةِ أو الكهنةِ، بل على العكس، كان هناك احترامٌ وإصغاءٌ متبادلٌ، وإنْ وُجدت أحياناً حساسيةٌ تتعلقُ بعلاقةِ العلمانيِّ بالكاهنِ أكثرَ من كونِها مسألةً جندريةً.
المحطةُ المفصليةُ في تجربتِها كانت مشاركتَها في الجمعيةِ السينودوسيةِ في روما (2023–2024)، بعد أنْ اختارَها قداسةُ البابا فرنسيس كعضوٍ مشاركٍ ومصوّتٍ، ضمنَ مسيرةِ السينودوسيةِ. تجربةٌ تصفُها طشمان بأنَّها “نعمةٌ استثنائيةٌ”، شكّلت لحظةً تاريخيةً، خصوصاً مع مشاركةِ النساءِ للمرةِ الأولى بحقِّ التصويتِ.

وتتحدثُ عن أجواءِ الإصغاءِ الحقيقيِّ التي لمستْها، وعن اهتمامِ الكرادلةِ والمطارنةِ بسماعِ صوتِ العلمانيينَ، ولا سيما الشبابِ والنساءِ، لما يحملونَهُ من رؤيةٍ قريبةٍ من الواقعِ. كما تؤكدُ أنَّ صوتَ الشرقِ الأوسطِ، في ظلِّ الحربِ والمعاناةِ، كان حاضرًا بقوةٍ، وأنَّ المشاركةَ لم تكنْ رمزيةً، بل فاعلةً ومؤثرةً.
أدوارٌ مختلفةٌ… ورسالةٌ واحدةٌ
تجمعُ هذه التجاربُ الثلاثُ خيطًا ناظمًا واحدًا المرأةُ في الكنيسةِ ليست متلقّيةً للدورِ، بل صانعةٌ لهُ. سواءً كانت راهبةً في حقلِ التربيةِ، أو زوجةَ كاهنٍ في قلبِ الرعيةِ، أو شابةً علمانيةً في فضاءِ القيادةِ الكنسيةِ، فإنَّ حضورَ المرأةِ يتجسّدُ كشهادةٍ حيّةٍ للإيمانِ، وخدمةٍ متكاملةٍ للإنسانِ والمجتمعِ.
وتبرزُ هذه الشهاداتُ أنَّ التحدي الحقيقيَّ لا يكمنُ في إثباتِ أحقيةِ المرأةِ بالدورِ، بل في تعميقِ ثقافةِ الإصغاءِ، والتكاملِ، والتعاونِ بين جميعِ مكوّناتِ الكنيسةِ، حيثُ لكلٍّ دورُهُ ومسؤوليتُهُ، دونَ إقصاءٍ أو تهميشٍ.
في زمنٍ تتغيّرُ فيه المجتمعاتُ وتتبدّلُ التحدياتُ، يبقى حضورُ المرأةِ في الكنيسةِ علامةَ رجاءٍ. حضورٌ لا يُقاسُ بالمناصبِ، بل بالأثرِ، ولا يُختزلُ في الجدلِ، بل يُترجمُ في الخدمةِ اليوميةِ من المدرسةِ إلى الرعيةِ، ومن الشبيبةِ إلى روما، تثبتُ هذه التجاربُ أنَّ المرأةَ، حينَ تُمنحُ المساحةَ، تساهمُ في تجديدِ الكنيسةِ، وتعميقِ رسالتِها، وجعلِها أكثرَ قربًا من الإنسانِ، وأكثرَ وفاءً لجوهرِ الإنجيلِ.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!