
السابق مهد المشرق تنشر قائمة الأسرى الفلسطينين من المكوّن المسيحي

ليّلى قرقور– ملح الأرض
مع اقتراب عيد القيامة، تتجه الأنظار نحو مدينة القدس المُحتلّة، حيث تكتسب التحضيرات لاحتفالات سبت النور طابعًا استثنائيًّا هذا العام. وفي ظلِّ تعقيدات المشهد الميداني تبرز المجموعات الكشفيّة الفلسطينيّة كحارسٍ للتقاليد والبروتوكول الكنسيّ، ورمزًا للصمود الوطنيّ.
لتسليط الضوء على هذه التحضيرات والتحدّيات، التقينا بكلٍّ من سليمان ترزي القائد السابق لمجموعة كشّافة نادي الاتحاد الأرثوذكسيّ العربيّ بالقدس، وخالد قسيس رئيس مؤسَّسة الكشّاف الأرثوذكسيّ الفلسطينيّ والقائد الأسبق للمجموعة الكشفيّة الأرثوذكسيّة العربيّة البيتجاليّة.
لا تقتصر استعدادات المجموعات الكشفيّة على الأيام القليلة الّتي تسبق العيد، بل هي عمليّةٌ مُستمرّةٌ ومُكثّفةٌ، حيث يوضِّح سليمان ترزي آلية العمل قائلًا لـ ملح الأرض: “بخصوص الاستعدادات تقوم المجموعات بالتّرتيبات خلال العام ولا يكون فقط قبل الأعياد، ونحن كمجموعة كشّافة نادي الاتحاد الأرثوذكسيّ العربيّ بالقدس في حال انعقادٍ دائمٍ على مدار العام، علمًا أنَّ سبت النّور هو الاحتفال الأساسي الّذي نحن مسؤولون عن تنظيمه وهذا حقٌّ إرثيّ ومسيحيّ لمجموعتنا”.

ويضيف ترزي حول التّحضيرات الموسيقيّة: “يتمُّ تدريب الفرقة الموسيقيّة خلال العام و تكون بكامل جاهزيّتها استعدادًا للأعياد وخاصّةً سبت النّور المُقدّس إذ يتمُّ اختيار المعزوفات بناءً على اقتراحاتٍ من مدرّبي فرقة العزف وتتنوّع من دينيّة إلى وطنيّة وتراثية ومقطوعات ومارشات وميدلي”.
من جانبه، يُفصِّل خالد قسيس طبيعة هذه التّدريبات في مدينة بيت جالا، وتأثيرها النفسيّ على الأفراد، مُصرِّحًا لـ ملح الأرض:: “نبدأ استعدادات الفِرق الكشفيّة لاستعراض سبت النور قبل أسابيع، حيث تشمل تدريباتٍ مُكثّفةً من التحضير والترتيب والانضباط وتجهيز الفرق الموسيقيّة، كما تعمل المجموعة على تجهيز الملابس الكشفيّة وكلّ ما يلزم لتهيئة الكشفيين لاستقبال الأعياد، والأهم من ذلك تحضير الأفراد نفسيًّا وتعبئتهم ليكونوا في قمّة الجاهزيّة لهذه المناسبة وغيرها، كما تبدأ التدريبات على كافّة الأصعدة وقبل أسابيع على الآلات الموسيقيّة وتكون التدريبات فرديّة ومن ثمَّ العمل الجماعي، وتشمل المعزوفات مقطوعات دينيّة ووطنيّة، والهدف بثّ روح البهجة والسرور في نفوس المُحتفلين بهذه المناسبة العظيمة”.

يحمل تنظيم مسيرات سبت النور في أزقّة القدس عبئًا لوجستيًّا وأمنيًّا ثقيلاً بسبب القيود المفروضة. وفي هذا السياق، يُشير ترزي إلى حجم الصعوبات: “مِن أكثر الأمور تعقيدًا على مدار العام هو التنسيق لاحتفالات سبت النور المُقدّس وكَون مجموعتنا هي صاحبة الحقّ في التّنظيم لهذا الاحتفال فيتمُّ عادةً التنظيم بين البطريركيّة والمجموعات الكشفيّة المدعوّة ومؤسّسات حارة النصارى والشُّرطة لتسهيل الحركة والدُّخول والوصول الحرّ إلى حارة النصارى والشُّوارع المؤدّية إلى كنيسة القيامة، ورغم التّنظيم إلّا أنَّ هناك صعوبات كبيرة نعاني منها سنويًّا”.
من جهته يؤكِّد قسيس على الدّور المحوريّ للكشّافة في إدارة الحشود والبروتوكول الكنسيّ، قائلًا: “الكشّاف يلعب دورًا رئيسيًّا في تنظيم كافّة الاحتفالات الدّينيّة من حيث ترتيب الدُّخول والخروج وتهيئة الأجواء لكافّة المُصلّين داخل الكنيسة، حفظ النِّظام ومواكبة الكهنه في تأمين دخول النُّور المُقدّس إلى مدينة بيت جالا، وهذا يحتاج مجهودًا كبيرًا من حيث التّنظيم والتّرتيب والتّنسيق على مُستوى الأصعدة حيث يتمُّ التّنسيق مع كافّة الجهات المعنيّة”.
أمام التحدّيات الاستثنائيّة المُتعلِّقة بقرارات تسكير كنيسة القيامة، يوضِّح ترزي البدائل الّتي تعمل عليها المجموعة لضمان وصول النّور للمؤمنين: “البدائل الموضوعة على جدول الأعمال هي إمكانيّة العمل على توزيع النُّور المُقدّس من قِبل مجموعتنا على جميع المؤمنين في مدينة القدس و ضواحيها كما تمَّ في فترة الكورونا”، ويؤكِّد وجود حراكٍ فعليٍّ لحلّ الأزمة: “يُوجد بالفعل ترتيباتٍ خاصّةً ما بين البطريركيّة والمجموعات الكشفيّة والمؤسَّسات المسيحيّة للضَّغط لتسير الاحتفالات كما المُعتاد”.

لا يقتصر دور الكشّافة على الجانب الدّينيّ، بل يمتدُّ ليُشكِّل نسيجًا يربط مكوِّنات المُجتمع الفلسطينيّ. يوضِّح ترزي هذه الرؤية: “المجموعات المسيحيّة تلعب دورًا هامًّا في وجودها في مدينة القدس حيث تشارك تحت مفوضيّة محافظة القدس وتتشارك مع المجموعات الإسلاميّة في العديد من النّشاطات والدورات”. ويضيف: “إنَّ وجودنا كمجموعاتٍ مسيحيّةٍ وطنيّةٍ هو إثباتُ وجودٍ ومحافظةٍ على إرثنا المسيحيّ في القدس والحفاظ على عاداتنا و تقاليدنا رغم وجود كلِّ الصُّعوبات الّتي تواجهها المجموعات الكشفيّة رغم التنسيق وخاصّةً سبت النور”.
ويعزِّز قسيس هذه الفكرة بتسليط الضّوء على الدّمج بين الرِّسالتين الدينيّة والوطنيّة: “الكشّافة تحمل رسائل عدّة ومن بينها الاستعراضات، فيتمُّ الاحتفال في المناسبات الدّينيّة سواء المسيحيّة أو الإسلاميّة وهذا دليلٌ واضحٌ على مدى العلاقة الاجتماعيّة والحفاظ على النّسيج الاجتماعيّ في هذه البلاد المُقدّسة لِما تحمل من أهميّةٍ دينيّةٍ، ومن النّاحية الوطنيّة الكشّافة تعمل على زرع روح العمل التطوّعيّ والّذي من خلاله يتمُّ زرع القيم والمبادئ أيضًا، ومن خلال الاحتفالات الوطنيّة نوصِلُ رسالةً لكافّة بقاع الأرض على تأكيد وجودنا في موطن الدّيانات، ورغم كلِّ القيود والمضايقات نعمل على نشر الفرح والسرور من خلال هذا النموذج الحقيقي في الوحدة المجتمعيّة الفلسطينيّة”.
يتزامن احتفال هذا العام مع إعلان القدس عاصمةً للكشّافة العربيّة، وهو ما يضع مسؤوليّاتٍ إضافيّةً على عاتق الفِرق. يقول ترزي: “إعلان القدس عاصمةً للكشّافة العربيّة فهذا يعني زيادة العمل في إطار إنجاح هذا الشِّعار بعمل العديد من الفعاليّات الكشفيّة والاجتماعيّة والوطنيّة بمشاركة جميع المجموعات الكشفيّة إلّا أنَّ الظّروف الّتي نمرُّ بها في هذه الفترة صعَّبت المهمّة”.

ويتحدَّث قسيس عن أحقيّة فلسطين بهذا اللّقب، قائلًا: “تُعتبر فلسطين من أوائل الدُّول الّتي دخلَتْ إليها الحركة الكشفيّة في عام 1912 حيث كانت أوّل فرقةٍ كشفيّةٍ في القدس، ويأتي هذا الاعتراف نتيجة جهودٍ جبّارةٍ تقوم فيها الفِرق الكشفيّة لنقل رسالةٍ للعالم أجمع أنَّ الحركة الكشفيّة الفلسطينيّة كانت وما زالت رائدة العمل الكشفيّ من خلال الأنشطة والاحتفالات على كافّة الأصعدة، وكانت المُشاركات الخارجيّة للكشّافة الفلسطينيّة من خلال المُخيّمات الدّوليّة والمؤتمرات الكشفيّة العالميّة والعربيّة خيرُ دليلٍ على أنَّ الكشّافة الفلسطينيّة جديرةٌ في أنَّ القدس عاصمة الكشّافة، ولكن يبقى التنفيذ مرتبطًا بالواقع الميدانيّ والقيود المفروضة، مع العلم أنّه تمَّ تسكير كنيسة القيامة نتيجة الأوضاع الأمنيّة والسّياسيّة في المنطقة، لذا نقول سنستمر ورغم كلّ الظّروف والتحدّيات بنقل رسالة الكشّافة إلى العالم أجمع”.
في ختام هذا المشهد المليء بالتحدّيات، تبقى رسالة الكشّافة الفلسطينيّة واضحة للعالم. يختم ترزة رسالته بالقول: “نحن هنا، في القدس، نحافظ على تقاليدنا وإيماننا وهويتنا رغم كلِّ الظروف الصعبة. الكشّافة ليسَتْ فقط نشاطًا شبابيًّا، بل هي رسالةُ صمودٍ واستمراريّةٍ، تؤكِّد أنَّ الحياة والنُّور أقوى من كلِّ التحدّيات”.
ويُشارك قسيس هذه الروح المؤكِّدة على البقاء، مُصرِّحًا: “الرسالة الّتي ينقلها الكشّاف الفلسطينيّ للعالم إنَّ الشَّعب الفلسطينيّ مُتمسِّكٌ في حقّه بالعبادة والفرح والحياة، رغم كلِّ التحدّيات نحن هنا باقون لنحافظ على هويّتنا وتُراثنا جيلًا بعد جيل نُحافظ على هويّتنا الوطنيّة”.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!