
السابق زيارةُ رئيسِ الوزراءِ لمنطقة رحاب الأثريّة تُعيدُ تسليطَ الضوءِ على كنائسِ المفرقِ التاريخيّة

ليث حبش –ملح الارض
في حديثٍ فكريّ ووطنيّ معمّق، التقت ملح الأرض بالقسّ الدكتور معتصم دبابنة، الذي قدّم قراءةً هادئةً وصريحةً لواقعِ المسيحيّة اليوم، سواء على مستوى التعدّدِ الطائفي أو على مستوى الحضور المسيحي في الأردن، ودوره في الحياة العامة.
استهلّ القس دبابنة حديثه بالإشارةِ إلى تعدّدِ الطوائفِ المسيحيّةِ في العالم العربي والعالم، لافتًا إلى أنّ هذا التنوّع باتَ في كثيرٍ من الأحيانِ سببًا لحالةِ من الإرباكِ لدى المؤمنين، إذ تدَّعي كل طائفة امتلاكها “الحقيقة الكاملة”، غير أنّه شدّد على أنّ الجوهر الحقيقي للإيمان المسيحي لا يكمنُ في الطائفة، بل في المسيح نفسه، معتبرًا أنّ “الصحّ الوحيد هو المسيح، لأنه الأساس الذي عليه تُبنى الكنيسة”.
وأوضح القس دبابنة لـ ملح الأرض أنّ الكنائسَ الرسولية، التي تعودُ جذورها إلى العصرِ الرسولي، تستندُ في إيمانها وتاريخها إلى المسيح بوصفه حجر الزاوية، وهو ما يجبُ أن يبقى نقطة الالتقاء الجامعة بين المسيحيين، بعيدًا عن الانقساماتِ المذهبيةِ أو الخلافاتِ الشكليّة.
وانتقل الحوار إلى الوجودِ المسيحي في الأردن، حيث أكّد القس دبابنة أنّ المسيحيينَ متجذّرونَ في هذا البلد منذ قرون طويلة، وكان لهم دور أساسي في بنائهِ الاجتماعي والثقافي والتعليمي، إلا أنّه عبّر عن قلقهِ من تراجعِ الحضورِ المسيحيِ في المشهد العام، ولا سيّما فيما يتعلّق بالمناصب القيادية العليا في الدولة. وأشار إلى أنّ غياب المسيحيينَ عن مواقعٍ سيادية كبرى، مثل رئاسة الوزراء أو رئاسة أجهزة أمنية عليا، لا يعكسُ حقيقة حجمهم التاريخي ولا إسهامهم الوطني، معتبرًا أنّ هذا الواقع لا يعود بالضرورة إلى سياسات رسمية للدولة، بل في كثير من الأحيان إلى عوامل متشابكة تتعلّق بالأشخاص، وبآليات الاختيار، وبثقافة المجتمع.
اقرأ أيضاً: صعوبة الوحدة المسيحية وضرورة تعريب قيادة الكنائس
وأضاف القس دبابنة أنّ جزءًا من هذا التراجع يرتبطُ أيضًا بتوجّهِ عدد متزايد من المسيحيين نحو الهجرة أو العمل خارج البلاد، بحثًا عن فرص أفضل أو عن شعور أكبر بالاستقرار الوظيفي والاجتماعي، مما يؤدّي تدريجيًا إلى إفراغ الساحة المحلية من كفاءاتٍ مسيحيّةٍ كان يمكنُ أن تتبوأ مواقع مؤثرة في الداخل.

وفي المقابل، شدّدَ على أنّ المسيحيين ما زالوا حاضرين بقوةٍ في مؤسسات الدولة المختلفة، من الجيش والأجهزة الأمنية، إلى الوزارات والبلديات، وسائر الوظائف العامة، مشيرًا إلى أنّ هذا الحضور يعكس انتماءهم الوطني والتزامهم بخدمة الدولة، إلا أنّه لفت إلى أنّ فرصَ التقدّم الوظيفي في بعض المواقع قد تتأثّرُ بعواملٍ غير مهنية، مثل الواسطة أو التدخّل الشخصي، وهو ما قد يجعل فرص المسيحيين أقل في بعض الأحيان مقارنة بغيرهم، لا بسبب الكفاءة، بل بسبب طبيعة هذه التدخّلات.
وختم القس الدكتور معتصم دبابنة حديثه لـ ملح الأرض بالتأكيد على أنّ المواطنة الحقيقية تقوم على العدالة وتكافؤ الفرص، داعيًا إلى تعزيز ثقافة الشراكة الوطنية، وإلى النظر إلى المسيحيين بوصفهم جزءًا أصيلًا من نسيج الدولة، لا أقلية هامشية. كما شدّد على أهمية بقاء المسيحيين متجذّرين في أرضهم، متمسّكين بإيمانهم، ومنخرطينَ بفاعليةٍ في الحياةِ العامة، انطلاقًا من إيمانهم بأن المسيح هو الأساس، وبأن الوطن يتّسع لجميع أبنائه.
اقرأ أيضا: الوحدة المسيحية أمر كتابي ونؤمن بقوة الصلاة


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!