
السابق Inclusive Churches: A New Path Integrating People with Disabilities into the Church

ملح الأرض – ليث حبش
لِقاءُ مجلسِ الأوقافِ الإسلاميّة وبطريركيّةِ الرومِ الأرثوذكس… رسالةُ وجودٍ في زمنِ الاستهداف
في لحظةٍ مفصليّةٍ من تاريخ مدينة القدس، حيث تتصاعد التحدّيات السياسيّة والدينيّة والوجوديّة، جاء اللقاءُ الذي جمع مجلس الأوقاف الإسلاميّة ببطريركيّة الروم الأرثوذكس ليحمل دلالاتٍ تتجاوز البروتوكول، ويؤكّد أنّ المعركة الدائرة في المدينة المقدّسة لم تعد تخصّ طرفًا بعينه، بل تطال الوجود الإسلامي والمسيحي معًا، في سياق صراعٍ مفتوحٍ على الهويّة والتاريخ والحقّ في المكان.
في هَذَا السِّياق، جاءت زِيارة وفدٍ من مجلس الأوقاف الإسلامية برئاسة الشيخ عزام الخطيب إلى بطريركية الروم الأرثوذكس في القدس، حيث كان في استقبال الوفدِ البطريرك ثيوفيلوس الثالث، لِتُعْكِسَ مستوىً متقدمًا من الوَعْيِ الدينيِّ والوطنيِّ بِخُطُورَةِ المرحلةِ التي تمرُّ بها المدينة فالزيارةُ، التي حملت أبعادًا رمزيةً عميقةً، أعادتِ التأكيدَ على متانةِ العلاقةِ الإسلامية–المسيحية في القدس، بوصفها علاقةً ضاربةً في جذورِ التاريخِ، تمتدُّ من العهدةِ العمريةِ وصولًا إلى الحاضر، وتستندُ اليومَ إلى الوصايةِ الهاشميةِ في حمايةِ المقدساتِ الإسلاميةِ والمسيحيةِ، والدِّفاعِ المشتركِ عن هُوِيَّةِ المدينةِ وخُصوصِيَّتِها الدينيةِ المتعددةِ.
هذا اللقاءُ، الذي عُقِد في ظلّ تصعيدٍ غير مسبوق من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي وجماعات المستوطنين، أعاد التأكيد على وحدة المصير بين المسلمين والمسيحيين في القدس، وعلى ضرورة بلورة موقفٍ دينيّ ووطنيّ موحّد في مواجهة محاولات فرض روايةٍ أحاديّةٍ تنفي التعدّديّة التاريخيّة التي شكّلت جوهر المدينة عبر قرونٍ طويلة.

عضوُ مجلس الأوقاف الإسلاميّة، خليل العسلي، وصف لـ ملح الأرض هذه اللقاءات بأنّها “بالغةُ الأهميّة، بل وقد تكون مصيريّةً في هذا التوقيت بالذات”، مشيرًا إلى أنّ القدس تشهد اليوم “صراعًا على البقاء وصراعًا على الهويّة المتعدّدة للمدينة، وصل في الآونة الأخيرة إلى مرحلة كسر العظام والتجسيد العملي على الأرض”.
ويؤكّد العسلي أنّ المشروع الإسرائيلي يسعى إلى تكريس هويّةٍ واحدة للقدس، هي “الهويّة اليهوديّة، وفق روايةٍ إقصائيّة تستبعد أيّ وجودٍ آخر”، سواء كان إسلاميًّا أو مسيحيًّا، ما يجعل من هذه اللقاءات بين القيادات الدينيّة الإسلاميّة والمسيحيّة ضرورةً وطنيّةً وليست خيارًا.
ويضيف: “القدس كانت دائمًا مدينةً متنوّعة، وهويّتُها المتعدّدة ليست تفصيلًا تاريخيًّا، بل جوهر وجودها. وهذه اللقاءات تؤكّد أنّ هذه الهويّة يجب أن تستمرّ، وأنّ محاولات طمسها لن تمرّ دون مواجهة”.

ويلفتُ العسلي إلى أنّ خطورةَ المشهد تكمنُ في أنّ الاحتلال لا يكتفي باستهدافِ طرفٍ دون آخر، بل يعتمدُ سياسةَ التدرّج والتفرّد، قائلًا: “عندما حاولت إسرائيل الانفراد بالمسلمين في موضوع المسجد الأقصى، وجدناها في الوقت ذاته تفرض سيادتها على الكنائس الفلسطينيّة، عبر الضرائب، والتضييق، وإعاقةِ وصولِ المسيحيّين إلى كنيسةِ القيامة”.
ويشيرُ إلى أنّ هذا الواقع يثبتُ أنّ “السكوتَ على الانتهاكات بحقّ طرفٍ واحد يعني أنّ الدور سيصل حتمًا إلى الطرف الآخر”، مؤكّدًا أنّ ما يجري اليوم هو استهدافٌ شاملٌ للوجود الديني الفلسطيني في القدس، بمسلميهِ ومسيحييه.
من هنا، يرى العسيلي في حديثه لـ ملح الأرض أنّ استمرارَ اللقاءات بين المرجعيّات الدينيّة على أعلى المستويات “يوجّهُ رسالةً واضحةً للمجتمعِ المقدسي بضرورة التوحّد، ووقف الخلافات الفرديّة التي غالبًا ما تُغذّى بتدخّلات إسرائيليّة تهدف إلى تفكيك النسيج الاجتماعي”.
ويحذّرُ العسلي من أنّ القدس باتت تُفرَّغ تدريجيًّا من أهلها، ليس فقط عبر السياساتِ الديموغرافيّة، بل أيضًا من خلالِ مصادرةِ حريّة العبادة، موضّحًا: “يكفي أن تزور كنيسةَ القيامة في أيّامٍ عاديّة لتجدها شبهَ فارغة، ليس لأنّ المسيحيّين غير موجودين، بل لأنّهم ممنوعون من الوصول من الضفّة الغربيّة”والحالُ ذاته، كما يقول، ينطبقُ على المسجدِ الأقصى، حيث “لم يصل آلافُ المسلمين من الضفّة الغربيّة إلى الأقصى منذ سنوات، لدرجة أنّ كثيرًا من الشباب لم يروا المسجدَ الأقصى في حياتهم”..ولا يقتصرُ التهديدُ، بحسبِ العسلي، على الإجراءاتِ الميدانيّة، بل يمتدُّ إلى أبعادٍ فكريّةٍ وأيديولوجيّة، موضِّحًا أنّ المسلمين يواجهون خطرًا وجوديًّا يتمثّل بمحاولاتِ الجماعاتِ اليهوديّة فرضَ التقسيمِ الزمانيّ والمكانيّ في المسجدِ الأقصى، فيما يواجهُ المسيحيّون خطرًا آخر يتمثّل في «الصهيونيّةِ المسيحيّة» التي تسعى إلى فرضِ رؤيةٍ مشوَّهَةٍ على المسيحيّين في القدس، تخدمُ المشروعَ الاستعماريَّ الإسرائيليَّ.
ويختمُ العسلي بالتأكيدِ على أنّ المقدسيّين، مسلمينَ ومسيحيّين، «يعيشون معًا لا من منطلقٍ دينيٍّ ضيّق، بل من كونهم فلسطينيّين، مقدسيّين، عربًا، يجمعُهم مصيرٌ واحدٌ تحتَ الاحتلال».

من جانبه، أكّد رئيسُ التجمّعِ الوطنيّ المسيحيّ في الأراضي المقدّسة، الأستاذُ ديمتري دلياني، لـ ملح الأرض أنّ اللقاءَ يعكسُ «موقفًا وحدويًّا في لحظةٍ دقيقة يُستهدفُ فيها الوجودان الإسلاميّ والمسيحيّ بصورةٍ متزامنة»، مشيرًا إلى أنّ الاعتداءاتِ على الكنائسِ والأديرةِ والمقابرِ المسيحيّة، بالتوازي مع الاعتداءاتِ على المساجدِ والمقابرِ الإسلاميّة، تكشفُ عن «سياسةٍ استعماريّةٍ متعمَّدة تهدفُ إلى اقتلاعِ التعدّديّةِ الدينيّةِ الأصيلةِ للمدينة».
وأوضح دلياني أنّ هذه الاعتداءات، التي تشملُ تدنيسَ المقدّسات والتخريبَ والاعتداءاتِ الجسديّة، تُرتكبُ غالبًا على يد طلابِ المدارسِ الدينيّةِ اليهوديّة، تحتَ حمايةِ قوّاتِ الاحتلال، في ظلِّ خطابٍ سياسيٍّ تحريضيّ تقودُه حكومةُ بنيامين نتنياهو والتيّاراتُ الدينيّة–القوميّةُ المتطرّفة.
ويكتسبُ اللقاءُ، بحسبِ دلياني، بُعدًا إضافيًّا لاتّساقه مع الوصايةِ الهاشميّة على المقدّساتِ الإسلاميّةِ والمسيحيّة في القدس، ودورها في حمايةِ الوضعِ التاريخيّ القائم (الستاتيكو). ويستشهدُ بتأكيدِ بطريركِ القدس خلالَ اللقاء أنّ «استقرارَ القدس يستلزمُ حمايةَ إرثِ الوصايةِ الهاشميّة واحترامَ هويّةِ المدينة وناسِها».
ويعتبرُ دلياني أنّ هذا الموقفَ يكرّسُ العلاقةَ الإسلاميّة–المسيحيّة في القدس كشراكةٍ دفاعيّة في مواجهةِ مشروعٍ استعماريّ يسعى إلى فرضِ هيمنةٍ قسريّة وتطهيرٍ عِرقيٍّ مُمنهج.
ويربطُ دلياني بينَ ما يجري في القدس وجريمةِ الإبادةِ المستمرّة في قطاعِ غزّة، حيث استهدفَ جيشُ الاحتلال الكنائسَ والمستشفياتِ والمؤسّساتِ التعليميّة المسيحيّة، وسقطَ عشراتُ الآلاف من الشهداء من المسلمين والمسيحيّين، في مشهدٍ يؤكّدُ وحدةَ الاستهداف ووحدةَ المصير.
تحدياتُ الوجودِ المسيحي
وفي حديثِه عن التحدّيات التي تواجهُ الوجودَ المسيحيّ في القدس، يشيرُ دلياني لـ ملح الأرض إلى سياساتِ الاعتقال، ومصادرةِ الأراضي، وسحبِ الهويّات، والتضييقِ التخطيطيّ، التي تؤدّي إلى «هجرةٍ قسريّةٍ صامتة» وإعادةِ تشكيلِ محيطِ الأماكنِ المقدّسة لخدمةِ مشاريعِ الاستيطان.
ويضيفُ أنّ رجالَ الدينِ المسيحيّين يتعرّضون يوميًّا في البلدةِ القديمة لاعتداءاتٍ لفظيّة وجسديّة، وأنّ كنائسَ ومقابرَ تاريخيّة تعرّضت لهجماتٍ متكرّرة، في ظلِّ غيابِ المساءلة، وهو ما وثّقته تقاريرُ دوليّة، بينها تقريرُ الحريّةِ الدينيّة الأميركي لعام 2023.
ويختمُ دلياني بالتأكيدِ على أنّ مواجهةَ هذه التحدّيات تتطلّبُ مقاربةً فلسطينيّة شاملة، تقومُ على تثبيتِ الشراكةِ الإسلاميّة–المسيحيّة كشراكةٍ وطنيّة مدنيّة، وتعزيزِ التنسيقِ مع الأردن في إطارِ الوصايةِ الهاشميّة، والتصدّي للأيديولوجيّاتِ الدينيّة المُدمِّرة التي توظّفُ الدينَ لتبريرِ الاحتلالِ والتطهيرِ العِرقيّ.
اقرأ ايضا في نفس السياق: العهدة العمرية حاضرة في لقاء مجلس الأوقاف مع بطريرك الروم الارثوذكس


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!