Skip to content

العائلةُ أول مدرسة للصوم: كيفَ تستعدُ البيوتُ المسيحيّة للصومِ الكبير؟

تاريخ النشر: فبراير 17, 2026 2:38 م
رانيا عصفور مع عائلتها

رانيا عصفور مع عائلتها

ليندا زكي- ملح الأرض

عَرَف صادق عقيل (57) عامًا، الصيام منذ صِغره، حيث تربّى داخل أُسرةٍ التزمت بتعاليم الكنيسة ومنها الصيام الذي يُعتبر جزءًا من إيمانه المسيحي.

يصفُ عقيل نفسَه كخادمٍ للكنيسة، ومرتّلٍ ومنظّمٍ لتجهيزات كنيسته الروم الأرثوذكس في الفحيص، ففي حديثه لـ ملح الأرض قال إنّ الصوم تعلّمه كما نشأ وتربّى عليه من تعاليم الكنيسة والأسرة، وهو ليس صومًا فقط عن الطعام، بل تهذيبًا للنفس، إلى جانب التواضع والعيش كما يعيش الإنسان العفيف على القليل، على حدّ تعبيره. فالصوم سلوكٌ بالنسبة لعقيل، يُمارس من خلال المعاملة الطيّبة والكريمة، مع صوم اللسان والنظر عن كلّ الأمور السيّئة، على أن يعكس الصوم صورة الإنسان المسيحي الحقيقية.

صادق عقيل

وتابع “إن صيامنا روحانيًّا أكثر، فهو المسامحة، والصلح مع النفس والناس، كما يُهدّئ من غضب الإنسان على أخيه الإنسان، والأهم بالصوم مساعدة الآخرين”.

ووفق عقيل، فإنّ الصيام المسيحي تُنظِّم الكنيسة أيّامه وتحدِّد مراحله، إذ يُعرَف صيام الأربعين، مع أسبوع الآلام المقدّس، باسم صيام الخمسين يومًا. ويبدأ الاستعداد له روحيًّا مع بداية زمن يُسمّى التريودي، والذي يتضمّن أحد الفريسي والعشّار، وأحد الابن الضال، وأحد مرفع اللحم، وأحد مرفع الجبن، ثم يبدأ بعد ذلك الصوم المسيحي.

يستعد عقيل للصوم كباقي البيوت المسيحية الملتزمة بالصوم، إلى جانب آخرين يعرضون استعداداتهم للصوم المسيحي في التقرير الذي سلّطت “ملح الأرض” جانبًا من حياة المسيحيين في صومهم.

وعلّق عقيل أنّ الطعام الصيامي غير مكلّف مثل باقي الطعام، وما يمتنع عنه في الصوم أكل اللحوم والدجاج والألبان والأجبان وغيرها، لذلك يرى أنّ ما يُوفَّر من شراء تلك المواد الغذائية يُفضَّل أن يُذهَب ثمنه للناس العفيفة المحتاجة.

الصوم هو تواضعٌ بالنسبة للمسيحي، بحسب ما يراه عقيل، إذ لا يجب أن يتعالى الإنسان الصائم ويسأل الآخرين عن صومهم، كما ويتباهى بصومه، لأن السيد المسيح طلب ذلك.

ومع اقتراب الصوم، فإن التجهيزات بالبيت بسيطة، وتخفيف مشتريات من الأغذية التي لا تدخل في صيامنا المسيحي.

وقال عقيل إن المائدة المسيحية في الصوم بدون لحوم أو أجبان، كما أنّ الأسرة تتبادل “الطبخات” الصيامية مع بعضها البعض، منوّهًا إلى أنّ السمك مسموح على المائدة ضمن تعاليم الكنيسة، حيث يُستبدل المنسف بالسمك.

واستذكر عقيل الصيام المسيحي في الماضي والصيام اليوم معلّقًا: “كان يُقدَّم ما يتوفّر من طعام في المنزل، وتُحضّره الأم، أمّا الآن أصبحت الأمور أسهل من خلال توفير الطعام للصائمين المسيحيين، كما يُشاهَد توفير المخبوزات والمعجنات الخاصة بصومنا”.

ليديا الفلاس مع ابنها

بينما تبدأ عائلة ليديا الفلاس، وهي أم لأربعة من الأبناء، بتقليلِ الطعام المحتوي على الدجاج واللحم قبل الصوم، وتقليله تدريجيًّا، وتُحضِّر عائلتها نفسيًّا للصوم.

وقالت لـ ملح الأرض إنّها وعائلتها تبدأ الصوم بقلبٍ نظيف، والصوم بدون محبّة لا معنى له، ومع بدء الصوم تمتنع العائلة عن تناول اللحوم والأجبان والألبان والبيض وغيرها، وتكتفي بإعداد الطعام الصيامي.

وترى في الصيام صيامًا روحانيًّا لا صيامًا فقط عن الطعام، ويُعزَّز ذلك بالصلاة الروحية وحضور القدّاسات، التوبة والصوم، معلّقة: “الصوم ليس أكلًا فقط، بل هو صوم اللسان عن الكلام الجارح، وصوم العين والأذن عن كلّ أمرٍ مسيء”.

عاداتٌ تمارسها عائلة الفلاس مع أبنائها بالصلاة سويًّا، والأكل سويًّا، وتقديم أعمال الخير والضيافة والترحيب بالضيف، فلا يُغلق الباب في وجه كلّ من يطرق الباب، وهذا ما تعلّمناه من السيد المسيح.

رانيا عصفور مع عائلتها

وهو ذات الحال لعائلة رانيا عصفور، الأم لثلاثة أبناء، والتي تستعدُ روحانيًّا للصومِ قبل الطعام. حيث قالت لـ ملح الأرض إن العائلة تستعد بالصلاة، وقراءة الإنجيل، والمشاركة بصلوات الكنيسة والقداديس، خصوصًا في أيّام الصيام، مع التركيز على المصالحة والمحبة داخل البيت.

وأوضحت أنّ الصوم ليس انقطاعًا عن أطعمة معيّنة، بل تعامل مع الآخرين بمحبة واحترام متبادل، لأن حياتنا المسيحية مبنية على هذا الكلام.

وقارنت عصفور من جانبها الصوم سابقًا والصوم الآن، وقالت عنه: “زمان كنّا صغارًا تعلّمنا الصوم من مدرستنا ومعلّماتنا وكنيستنا، ونقلنا ما تعلّمناه لأولادنا، ومع الأيّام تبيّن بأن الأهل هم العامل الرئيسي في الصوم”.

وقالت إن الصوم ينتقل للأبناء والأفراد بالمنزل عندما يرون أهل البيت يصومون، وإذا كان أهل البيت أنفسهم لا يصومون فكيف سيصوم الأبناء، وكذلك بالنسبة للصلاة، وبالتالي الأولاد سيصلون إلى قناعة بعدم الجدوى من الصوم عندما يرون أهلهم لا يصومون، ولهذا ما يحدث داخل البيت هو عامل أساسي لحياتنا المسيحية بالإضافة للمدرسة وكنيستنا لتعزيز معاني الصوم وتشجيع أولادنا.

وتابعت حديثها لـ ملح الأرض “عندما كنّا صغارًا كنّا نفكّر أنّ الصوم عن مأكولات، بعدها تعلّمنا روحانية الصوم، كان واجبًا ويجب أن نقوم به، وعندما كبرنا ونضجنا فهمنا معنى الصوم”.

وأشارت إلى أنّ الصوم المسيحي ليس إجباريًّا للعائلة أو أيّ من أفرادها، والأهم إذا صمت فهو أمر يتطلّب إدخال صومي بحياتي الروحية، أي الصوم والصلاة والتصدّق، وهذا ما أعلّم عليه أبنائي في صومهم.

ولفتت عصفور إلى تحدّيات تواجه المسيحيين في صومهم مع وجود الإنترنت والسوشال ميديا، برزت من خلالها تحدّيات تمنعنا عن الصوم لعدم أهميّته كما يراه البعض، وفق ما يُتداول على السوشال ميديا من معلومات خاطئة تؤثّر سلبًا في حياةِ المسيحي.

وشدّدت على أنّ الصوم عن الأكل، والأهم يقابله صوم أكثر أهميّة وهو صوم اللسان والأذن والمحافظة على الكلام والتعامل مع الآخرين.

وذكرت عصفور أنّه في السابق كان التركيز على صيام الطعام من ناحية قوانين وتقاليد والتباهي بالصيام عن الطعام أمام الناس، الآن أصبح هناك وعي أكبر بأن الصوم هو وعي داخلي وحياة يومية، ليس فقط بالأكل والشرب والانقطاع، فصار التركيز الآن على أعمال الرحمة والتسامح وعمل الخير مع الآخرين.

بدأت عصفور صومها منذ صغرها، بصوم تدريجي عن الأشياء التي كنت أحبها، وعملت إيماءات تصوم عنها، حيث تضع ثمنها بالكنيسة يوم الأحد، وذلك من خلال مساعدة عائلتها والكنيسة.

ميس حدادين

من جانبها قالت ميس حدادين في حديثها لـ ملح الأرض إن عائلتها تستعد للصوم الكبير كمرحلة روحية مميّزة تسبق عيد القيامة، حيث يُركّز الاستعداد على التوبة، والصلاة، والتقشّف، وتنقية القلب. وتحرص العائلات على تهيئة جو روحي في البيت يُشجّع على الهدوء، والمحبة، ومراجعة الذات، إلى جانب الاستعداد العملي للصوم.

كما وتحرص العديد من العائلات على المشاركة في صلوات الكنيسة، خاصة قدّاس بداية الصوم، ودرب الصليب، والصلوات الأسبوعية. وتُعدّ هذه المشاركة خطوة أساسية لتهيئة النفس روحيًّا، وتعميق معنى الصوم كمسيرة إيمانية جماعية، وليس مجرّد امتناع عن الطعام.

وفي بُيوتِ العائلاتِ المسيحيّة، لا يَبدأُ الصَّومُ بالامتناعِ عن الطَّعامِ فحسب، بل يَبدأُ بتهيئةِ القَلبِ وتَنقيةِ النَّفسِ، واستعادةِ مَعاني المَحبّةِ والتَّسامُحِ والرَّحمة. فالصَّومُ، كما يَعيشهُ المؤمنون، ليسَ تَغييرًا في المائدةِ فقط، بل مَسيرةٌ رُوحيّةٌ تُجدِّدُ الإنسانَ مِن الدّاخل، وتُعيدُهُ إلى جَوهرِ إيمانِه. وبينَ الصَّلاةِ، وأعمالِ الخيرِ، وبَساطةِ العيش، تَستقبلُ العائلاتُ هذهِ المرحلةَ بإيمانٍ هادئ، آمِلةً أن يَكونَ الصَّومُ فُرصةً لِلتَّجدُّدِ الرُّوحي، والتَّقرُّبِ إلى اللهِ، وتعزيزِ قِيمِ المَحبّةِ في الحياةِ اليوميّة.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment