
السابق سفيرُ الفاتيكان: الأردن في قلبِ الأراضي المقدّسةِ

ليث حبش– ملح الأرض
يلعبُ المسيحيّون في الأردن دورًا تاريخيًّا وطنيًّا مهمًّا في مسيرة بناء الدولة وتعزيز قيم الشراكة الوطنية بين مختلف مكوّنات المجتمع، وهو دور يعكسُ عمق التعايش والتفاعل الذي ميّزَ التجربة الأردنية عبر العقود. وفي هذا السياق، أُقيم إفطار رمضاني بدعوة من رابطة مسيحيّي المشرق في الأردن، جَمعَ شخصياتٌ دينية وثقافية واجتماعية وإعلامية، وتخلّله لقاء مع وزير الثقافة مصطفى الرواشدة تحت عنوان “الأردنيون المسيحيون شركاء في حماية الوطن وبناء المستقبل”.
وأكد الرواشدة خلال اللقاء أهمية ترسيخ الوعي بالوحدة الوطنية ومنطلقاتها الثقافية والتاريخية، مشيراً إلى أن هذا الوعي يتطلب دوراً فاعلاً من النخب الثقافية والفكرية في المجتمع، خاصة في ظل التحديات التي تشهدها المنطقة. كما شددَّ على أن الدولةَ الأردنية، بقيادةِ جلالة الملك عبدالله الثاني، استطاعت أن تُقدّمَ نموذجاً مميزاً في الاعتدال والتعددية واحترامِ التنوعِ الديني والثقافي، إلى جانب حملها شرف الوصاية الهاشمية على المقدّساتِ الإسلاميةِ والمسيحيّةِ في القدسِ الشريف.
وأشار الرواشدة إلى أن هذا النموذج لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاجُ تاريخٍ طويلٍ من التعايشِ والتفاعلِ بين مكوّنات المجتمعِ الأردني المختلفة، التي أسهمت مجتمعة في بناء الدولة وتعزيز استقرارها.

الأردن… مساحةٌ حضاريّةٌ جامعة
وفي سياقِ الحديثِ عن هذا النموذج، أكَّدت رئيسةُ رابطةِ مسيحيّي المشرقِ في الأردن الإعلاميّة لينا مشربش في تصريحها لـ ملح الأرض أنَّ الأردن لا يمكنُ النظرُ إليه فقط ككيانٍ سياسيّ نشأ في مرحلةٍ زمنيّةٍ محدّدة، بل هو مساحةٌ حضاريّةٌ تعاقبت عليها حضاراتٌ وثقافاتٌ وأديانٌ متعدّدة، أسهمت جميعها في تشكيلِ الهويّةِ الوطنيّة الأردنيّة.
وأوضحت مشربش أنَّ هذه الهويّةَ الوطنيّة تتميّز بخصوصيّتِها لأنّها تقومُ على الاعتدالِ والتعدديّة والعيشِ المشترك، مشيرةً إلى أنَّ المجتمعَ الأردنيّ لا يمكنُ اختزالُه بثنائيّةِ الأقليّةِ والأكثريّة، لأنَّ جميعَ مكوّناته تُشكّل جزءًا متكاملًا من النسيجِ الوطنيّ.
وأضافت أنَّ المسيحيّين في الأردن لم يكونوا في يومٍ من الأيّام مجرّدَ أقليّةٍ دينيّة، بل هم جزءٌ من الجذورِ التاريخيّة للمجتمعِ الأردنيّ، وأسهموا منذ بداياتِ تأسيسِ الدولة في بناءِ مؤسّساتها وتعزيزِ حضورها الثقافيّ والتعليميّ والاجتماعيّ.
وأكَّدت مشربش لـ ملح الأرض أنَّ الدولةَ الأردنيّة تعملُ اليوم على ترسيخِ سرديّةٍ وطنيّةٍ تعكس تاريخَ الأردنِ المتنوّع، مشدِّدةً على أهميّةِ عدمِ اختزالِ أيّ مكوّنٍ من مكوّناتِ المجتمع في هذه السرديّة، بل إبرازِ إسهاماتِ الجميع في بناءِ الدولةِ الحديثة.

الشبابُ المسيحي… طاقةٌ للمستقبل
من جانبه، أكَّد المهندس فارس السلايطة، عضو الهيئة الإداريّة في رابطة مسيحيّي المشرق، أنَّ الشبابَ المسيحيَّ في الأردن يُشكّل جزءًا أصيلًا من النسيجِ الوطنيّ، وأنَّ دوره في الحياةِ العامّة لا ينطلق من اعتباراتٍ دينيّةٍ أو فئويّة، بل من مفهومِ المواطنة الذي قامت عليه الدولةُ الأردنيّة منذ تأسيسها.
وقال السلايطة في تصريحٍ لـ ملح الأرض إنَّ المسيحيّين شاركوا منذ بدايات تأسيس الدولة في بناء مؤسّساتها، وأسهموا في مجالات الإدارة والتعليم والاقتصاد والثقافة والجيش إلى جانب إخوانهم المسلمين.
وأضاف أنَّ الشبابَ المسيحيّ اليوم يمتلك رصيدًا تعليميًّا وثقافيًّا متميّزًا، وهو حاضرٌ في قطاعاتٍ حيويّة مثل ريادة الأعمال والتكنولوجيا والطب والهندسة والعمل الثقافي، مؤكّدًا أهميّة تحويل هذا الحضور إلى مشاركةٍ أوسع في العمل العام والمبادرات المجتمعيّة.
وأوضح أنَّ الدور الحقيقي للشباب المسيحي لا يقتصر على تمثيل مكوّنٍ اجتماعي، بل يتمثّل في الإسهام في إنتاج الفكر والثقافة والاقتصاد الوطني، والدفاع عن قيم الدولة المدنيّة القائمة على سيادة القانون والمساواة والاحترام المتبادل.

المسيحيّون شركاء في تأسيس الدولة
وفي السياق ذاته، أكَّد الدكتور فراس عازر، أمين سر رابطة مسيحيّي المشرق وعضو هيئتها الإداريّة، في حديث لـ ملح الأرض أنَّ المسيحيّين في الأردن ليسوا أقليّة طارئة، بل هم جزءٌ من جذور المجتمع الأردني ومن مؤسّسي الدولة الحديثة.
وأوضح عازر أنَّ الأردنيّين المسيحيّين شاركوا منذ تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921 في مختلف مجالات الحياة العامّة، وساهموا في نهضة الاقتصاد والتعليم والحياة السياسيّة والبرلمانيّة.
وأشار إلى أنَّ العديد من الشخصيّات المسيحيّة لعبت دورًا بارزًا في الحياة السياسيّة والاقتصاديّة، ومثّلت الأردنيّين في المجالس النيابيّة والمؤسّسات الوطنيّة على مدى سنواتٍ طويلة، إلى جانب حضورهم في قطاعات الاقتصاد والتعليم والإدارة.
وأضاف أنَّ تأثير المسيحيّين في الأردن كان كبيرًا رغم أن نسبتهم السكانيّة لا تتجاوز نحو 2% من السكان، حيث أسهموا في بناء الاقتصاد الوطني من خلال المؤسّسات الماليّة والبنوك والشركات الكبرى، إضافةً إلى مشاركتهم في إدارة مؤسّساتٍ اقتصاديّة وعلميّة مهمّة.
كما أشار إلى أنَّ هناك مسيحيّين أردنيّين تولّوا إدارة مؤسّسات وطنيّة بارزة مثل شركات الفوسفات والبوتاس والجمعيّة العلميّة الملكيّة، وكان لهم دورٌ واضح في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز التنمية.
تعزيز الوعي بالتاريخ المشترك
وأكد عازر لـ ملح الأرض أنَّ المرحلة الحاليّة تتطلّب تعزيز الوعي بتاريخ الشراكة الوطنيّة بين المسلمين والمسيحيّين، مشيرًا إلى أنَّ بعض المواطنين قد لا يكونون على دراية كافية بالدور التاريخي الذي لعبه المسيحيّون في بناء الدولة الأردنيّة.
وأضاف أنَّ النخب الثقافيّة والسياسيّة يمكن أن تلعب دورًا مهمًّا في إبراز هذا التاريخ المشترك، من خلال المبادرات الثقافيّة والفكريّة التي تُسلّط الضوء على الإرث الحضاري للمسيحيّين العرب ومساهمتهم في نهضة المنطقة.
كما شدَّد على أهميّة نشر ثقافة الحوار والتفاهم، وإبراز قيم المحبّة والرحمة والأخوّة الإنسانيّة التي تُشكّل جزءًا أساسيًّا من الثقافة الاجتماعيّة في الأردن.
المواطنة… أساس الهويّة الأردنيّة
وفي ختام حديثه، أكَّد عازر أنَّ المواطنة تمثّل الأساس الحقيقي للهويّة الأردنيّة، وأنَّ الدولة الأردنيّة قامت منذ بداياتها على التنوّع الديني والثقافي والاجتماعي.
وقال “إنَّ المجتمع الأردني تشكّل عبر عقودٍ من التفاعل بين مكوّناتٍ متعدّدة انصهرت في بوتقةٍ واحدة لتشكّل الهويّة الوطنيّة الجامعة، مؤكّدًا أنَّ هذا التنوّع كان دائمًا مصدر قوّة واستقرار للدولة.
وأضاف أنَّ الحفاظ على هذا النموذج وتعزيزه يمثّل مسؤوليّة مشتركة بين جميع أبناء الوطن، لأنَّ مستقبل الأردن لا يمكن أن يُبنى إلا بسواعد جميع أبنائه مسلمين ومسيحيّين، في إطارٍ من الشراكة الوطنيّة والانتماء الصادق للوطن.
وختم بالقول إنَّ الأردن يمثّل تجربةً إنسانيّةً وسياسيّةً فريدة في المنطقة، أثبت فيها الأردنيّون أنَّ بناء الدولة يمكن أن يقوم على الشراكة والاحترام المتبادل، وأنَّ الحفاظ على هذه التجربة وتعزيزها هو مسؤوليّة جماعيّة لضمان مستقبلٍ أكثر استقرارًا وازدهارًا للأجيال القادمة.
التعليمُ والثقافة… إسهاماتٌ راسخة
ولم يقتصر دورُ المسيحيّين في الأردن على الحضورِ التاريخيّ فحسب، بل امتدّ ليشمل مجالاتِ التعليمِ والثقافةِ والعملِ الاجتماعيّ.
فمنذ بداياتِ القرنِ الماضي، لعبت الكنائسُ والمؤسّساتُ المسيحيّة دورًا مهمًّا في نشرِ التعليم من خلال المدارس التي أسّستها في مختلف مناطقِ المملكة، مثل مدارس اللاتين ومدارس راهبات الوردية والمدارس المعمدانيّة، التي أسهمت في نشرِ المعرفةِ والثقافةِ والانفتاحِ الفكريّ في المجتمع.
كما برزت شخصيّاتٌ مسيحيّةٌ أردنيّة في مجالات الأدب والفكر والصحافة، وأسهمت في إثراءِ الحياةِ الثقافيّة والفكريّة في البلاد، إضافةً إلى دورها في تأسيس عددٍ من الصحف والمؤسّسات الإعلاميّة التي ساهمت في تطويرِ الحركةِ الثقافيّة في الأردن والمنطقة.
وفي المجال الاجتماعي، لعبت المؤسّساتُ المسيحيّة دورًا مهمًّا في تقديمِ الخدماتِ الإنسانيّة ورعايةِ الفئاتِ المحتاجة، من خلال مؤسّساتٍ خيريّةٍ ومراكزَ طبيّةٍ وتعليميّة أسهمت في دعمِ المجتمع وتعزيزِ روحِ التضامن بين أبنائه.
حضورٌ مسيحيٌّ ممتدٌّ عبر التاريخ
ويعودُ الحضورُ المسيحيّ في الأردن إلى قرونٍ طويلة، حيث ازدهرت المسيحيّةُ في العديد من المدنِ الأردنيّة منذ العصورِ الأولى. وتُعدُّ مدينةُ مادبا مثالًا بارزًا على هذا الحضور، إذ تحتضنُ كنيسةَ القديس جورجيوس التي تضمُّ خريطةَ مادبا الفسيفسائيّة الشهيرة، والتي تُعدّ من أهمِّ الشواهدِ المسيحيّة التاريخيّة في العالم.
كما شهدت مدنٌ أردنيّةٌ أخرى مثل أمّ قيس وجرش والبتراء حضورًا مسيحيًّا مبكّرًا، حيث لا تزال الكنائسُ والأديرةُ القديمةُ شاهدةً على استمراريّةِ الحياةِ المسيحيّة في هذه المناطق عبر القرون.
وتعكس هذه المواقعُ التاريخيّة عمقَ العلاقةِ الاجتماعيّة التي نشأت بين المسلمين والمسيحيّين في الأردن، حيث عاش أبناءُ الديانتين ضمن نسيجٍ اجتماعيٍّ واحد، أسهم في ترسيخِ ثقافةِ الاحترامِ المتبادلِ والتعاون.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!