
السابق أخبار الناس: سلمان وأبو نصّار وقنواتي وأبو فرحة

ليّلى قرقور – ملح الأرض
في وقتٍ تُصبح فيه الأرض عنوانًا للصِّراع والبقاء، تنبُت من بين ثنايا المعاناة مبادراتٌ تجسِّدُ الارتباط الوجوديّ بالتُّراب. مشروع “أرضي” ليسَ مُجرَّد علامةٍ تجاريّةٍ لمنتجات العناية بالجسد، بل هو رسالةٌ عاطفيّةٌ وهويّةٌ فلسطينيّةٌ صِيغَتْ بزيوتٍ طبيعيّةٍ وأيادٍ تؤمن بأنَّ الأرض قادرةٌ على رعاية أبنائها إذا ما اقتربوا منها بصدق.
لم تكن بداية مشروع “أرضي” لصاحبته رِهام جهشان قبل خمس سنوات مُجرَّد خطّة عملٍ تجاريّةٍ، بل انطلقت من فضولٍ بسيطٍ لفهم مكوّنات ما نضعه على أجسادنا. ومع اشتداد الأزمات المادّيّة وتفاقم التحدّيات خلال جائحة كورونا وفقدان مصادر الدخل، تحوَّل هذا الفضول إلى ضرورةٍ لدعم العائلة. تقول مؤسِّسَة المشروع لـ ملح الأرض: “وجدتُ نفسي مُضطرَّةً للبحث عن عملٍ لدعم عائلتي، وفي الوقت ذاته أردتُ عملًا أحبُّه. فاكتشفت بمرور الأيّام أنَّ هذا ليس مجرّد وسيلةٍ للعيش، بل هو شغف يسكنني؛ مساحةٌ أترجم فيها محبّتي للأرض الّتي لا تُقال بالكلمات”.

وفي سؤالنا لها عن الاسم وصلة الوصل بينه وبين المنتجات، أجابَتْ جهشان: “اختيار الاسم لم يكن عشوائيًّا، فالأرض في الوجدان الفلسطينيّ هي المصدر، والذّاكرة، والعلاقة.”، إذ يهدف المشروع من خلال اسمه ومنتجاته إلى إعادة تذكير النّاس بأنَّ العناية بالجسم يمكن أنْ تكون امتدادًا طبيعيًّا للأرض الّتي ينتمون إليها، لتصبح التفاصيل اليوميّة الصغيرة جزءًا من هذا الانتماء.
تتنوع قائمة منتجات “أرضي” لتشمل: زيوت الشعر والأظافر، الصوابين الطبيعيّة، مزيلات العرق، مرطّبات وزبدة الجسم، ومرطّبات الشفاه. وما يميز هذه المُنتجات هو “الروح”؛ فهي تُصنع يدويًا وبكميّاتٍ صغيرةٍ، مُعتمدةً على زيوتٍ ونباتاتٍ نقيّة، ومرتبطة بعمقٍ بالثّقافة الفلسطينيّة في أسمائها ومكوّناتها. فيحمل المشروع أبعادًا رمزيّةً تتجاوز الاستهلاك، حيث ترى رِهام أنَّ وجود المسيحيّ الفلسطينيّ على أرضه هو فعل بقاء: “نحن جزءٌ من تاريخ هذه الأرض وجذورها. عندما نصنع شيئًا من مواردنا، فنحن نروي قصّة صمودنا. كلُّ منتجٍ هو رسالةٌ صامتةٌ تقول: (أنا هنا، هذه أرضي، وهذه هويتي)”.

تواجه “أرضي” تحدّياتٍ قاسيةً، خاصّةً مع تصاعد سياسات مصادرة الأراضي في الضفّة الغربيّة، وتحديدًا في منطقة وادي المخرور. توضِّحُ صاحبة المشروع لـ ملح الأرض: “أكبر صعوبة هي الشّعور بأنَّ الأرض تصبح أبعد. مُصادرة الأراضي تجعل الحصول على المكوِّنات الأساسيّة تحدّيًا عاطفيًّا قبل أنْ يكون لوجستيًّا”. ورغم القيود على التّعبئة والتوصيل، يظلُّ كلُّ منتجٍ يصل لطالبه بمثابة “انتصارٍ صغيرٍ” على الظّروف.
على الرغم من صعوبات التسويق الّتي تعتمد على بناء الثّقة، نجح “أرضي” في خلق قاعدةٍ من المُهتمّين بالمنتجات الصادقة، ليتحوَّل الصمود من شعارٍ إلى واقعٍ يُلمَس باليد ويُشمُّ عطره في كلِّ بيت.

ولأن الرّسالة تتجاوز حدود الصّناعة، تسعى مؤسِّسَة المشروع، انطلاقًا من مسؤوليَّتها تجاه مجتمعها، إلى نشر الوعي عبر ورشات عملٍ تفاعليّة. هذه الورشات ليسَتْ مُجرَّد حصصٍ تعليميّةٍ، بل هي مساحاتٌ حيّةٌ لاستكشاف أسرار الزيوت الطبيعيّة وتأثيرها النّفسي، وبناء جسور مع المؤسَّسات المحلّيّة. إنَّها دعوةٌ للعودة إلى الطبيعة وتعزيز المناعة بأسلوب حياة أصيل، يربط الصّحّة بالهوية، ويجعل من “أرضي” تجربةً مُجتمعيّةً مُتكاملةً تنبض بالحياة فوق أرضها التّاريخيّة.
فيما يلي صور منتجات أرضي










تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!